بنغازى وعبث الكوازي (الحلقة الواحد ة والعشرون) فتح الله ابزيو
|
|
|
 الأستاذ الشاعر محمد الشلطامي شفاه الله |
(المعلقات السبع، أوالعشر، كما تقول الروايات، برزت فيها خصائص الشعر الجاهلي، بوضوح حتـّى عُدّت أفضل ما بلغنا، عن الجاهلية، من أثار ادبية، ولكثرة إستحسان العرب لها، كتبوها بِـِمَاء الذهب, وعُلِقت على أستار الكبعة)[1]
معلقات الجاهلية الأولى، والتى كتبت بلسان عربيّ غير ذي "عوج" ليس هو موضوع حلقتنا اليوم، قد يستغرب القارىء الكريم، ويتساءل، ماهي أوْجُه العلاقة بين المعلقات الشعرية، فى العصر الجاهلي لإمْرؤ القيس، وطرفة بن العبد، ولبيد بن ربيعة، والنابغة الذبياني، وبقية شعراء المعلقات "بالكوازى؟"، ولِتـَتضح لكم الإجابة إسمحوا لي أنْ أحدثكم عن بعض معلقات اشعار الجاهلية الثانية، التى غرقت فيها بلادنا، في أواخر الستينات من القرن الماضي، ونحمد الله كثيرا، أنّ الكعبة المشرفة، لم يرفع قواعدها سيدنا ابراهيم عليه السلام، فى المنطقة الوسطى، ببلادنا، وفي مدينة سرت تحديدا، ولولا لطف الله ببيته المقدس الذى وضعه ببكة، لمَا إتسعت أستار الكعبة، لِمُعَلـَقات شعرائنا الشعبيين، الذين يَـفـُوْق عددهم عدد ذباب الخريف البليد، والذين إستمرأوا النفاق، وجعلوا منه باباً مُشْـرَعاً، للإسترزاق على أشلاء، ومصائب إخوتهم، ووطنهم لكن قدرة الله، وحكمته، لم يَعِزّهُمْ بذلك المكان الطاهر، وأذلهم بتلك الخيمة التى يطوفون حول اوتادها، في جميع المواسم، وتكتب لكل طائف هائف حجة غير مبرورة، وذنب غير مغفور، ثـُمّ ينال الهدايا ، والعطايا,ويكتب من الصَّدِّيقِين عند "اللاة والعزة" وَجُلّ هؤلاء الأفاقين صغارالنفوس لايَعُود حتى بِخُفـيّ حُنين، فصغار هؤلاء المنافقون يعود بجلابية وسروال عربي فضفاض صنع في الصين. يستمر هذا السِرْك البهلواني على طريقة ترويض القرود، على طول شهور العام، من ذي الحجة الى شهر التمور، وشهر هانى بال، مرورا بشهر الفاتح الى شهر الكانون، والتمور!، وبقية الشهور التى لا يحفظ أسمائها الشعب الليبي، رغم تسميتها من دهور، وإليكم نماذج من تلك الأشعار الخالية، من الإحساس، والشعور الوجدانى، الإنساني، وهذه مقتطفات من "إقـْطاف" الذيول الأدعياء، الذين ساهموا فى تـَدَنـِي مستوى الشعر الشعبي الليبي.
المُعلقة الأولى: |
| بـَنـْيُّ وتـَشـْيّْــدْ عِـيْد وراء عِيْـد نعمه أ ُوْ رغيـد الله إيطول عمر العقيد |
|
|
|
المعلقة الثانية: |
| الفاتح ثورة "مُنـْزَازَاتْ" دَارْ مدَارسْ قـُرَّايَاتْ أوْدَارْ مصَـانِعْ هُـدّارَتْ |
|
|
|
المعلقة الثالثة: |
| إمْعَمَـرْ دَارْ مَطـرْ.... وَمْوَاطِيْرْ إيْقُوْلـَنْ طـَرْ |
|
|
|
المعلقة الرابعة: |
| السادات ذِيْبْ خَـشْ الْغَابَـه ومْعَمَر كـَلْبْ إمْ شـَبْـكات أنْيَابَه |
من مأثورات هذا المعتوه، خاطب الشعب الليبي، عبر التلفزيون الحكومي ذات ليلة، موحشة قائلاً (إن قـَرْنَ الفول قبل قيام الثورة، كان لايزيد طوله عن خنصر إصبع اليد، أما اليوم بفضل الثورة، وقائدها، فقد أصبح قـَرْن الفول مثل، معبوص القطوس يا ليبيين يانـَاكـِرين الجميل)، فهل نسيتم "جُنـُونِيات عصرالعزومي أثناء الثورة الثقافية التى، كان أحد" بنـْدارتها، هذا الأبلة المعتوه أيها السادة؟.
أحيطكم عِلـْماً بـِأنّ المعلقة الرابعة (للنابغة) "العزومي" جَـادتْ بها قريحته "المـُتـَقيـّحة" بعد الخصومة السياسية بين الرئيس الراحل السادات، والقائد، ويقال والعهدة على الرواة أنّ هذه الأبيات كانت من أهم الأسباب المباشرة التى انهت حياة شاعر لئيم سقيم، ومهرج"زّعَمّ كـَبْدَ الليبيين سنيناً عدداً" وشكرا لله على ذلك، رَغـْم أنه لاشماتة في الموت.
المعلقة الخامسة: |
| تـَبّـِي والله ما تبِيْشْ.... من غَيْر إمعمر مَفِيْشْ |
إنّ فحوى هذه المعلقة، الفـَجّة السمجة التى تـُنـْبِئ، كـُلّ سَامِعيها "طاروا، وإلآ نَزْلوا" بأنّ الليبيات لمْ يُنـْجـِبْن رجلاً أهْلاً ليَحْكم بلادنا سوى إمعمر، وبعد هذه المعلقة، التى تـُفـْصِح كلماتها، عنْ نفـْسِها، بدون عناء، وتـُعَبـِر عن فلسفة الحكم، والطريقة التى تـُحْكم بها بلادنا، فبعد المعلقة الخامسة، التى فـَرَضَتْ عَلـَيْنا، بالبَطش، والتنكيل "من غير معمر مافيش" تطالعنا نشرة الأخبارالليبية، ويطل علينا عبر شاشات التلفزة مذيع النشرة البائس، بملابسه الرّثة، وركاكة بيانه مُحَاولاً تذْكيرنا حتى لانـَنْسى، بالمقولة الكاذبة "الشعب يحكم نفسه بنفسه" يعلم المواطن الليبي، أنّ هذه الأشعار الموغلة في السُوقيّة، من بداياتها، لنهاياتها، أساسها النفاق، وفن الإسترزاق، وأنها لاتعنى شيئاً حتى في رؤوس قائليها، فكل هذه الأشعارالساقطة ستكنـُسها الرّياح العاتية مع أول هبة ريح عاصفة من ريّاح القبلي التى ستـَهـِب على بلادنا، ذات يوم لامَحالة، بإذن الله، وإرادة هذا الشعب الأبي إنّ كـُل هذه الأشعار الهابطة، لمْ يَعْلـَقْ منها بيتـًا واحدا في ذاكرة الشعب الليبي، فتـُرهات تلك الأشعار المُسْرفة، في النذالة، و"التـَسول" لم تصدر من مقرضيها عن مبدأ، وعقيدة، بلْ قـِيْلـَت عن طمعاً، في وَزِيْعَة، ثمنها "مَخْـنُوْب" من قوت المواطن البائس.
ملايين من تلك العبارات المخجلة، والتى يسمونها جزافاً اشعاراً، والشعر، والشعور منها براء، فقد صمّ نعيق البُـوْم هذا، آذان الشعب الليبي، ولم يُرَاع شعوره، عبر مسيرة مظلمة، طويلة، وشاقة، إمتدت قرابة أربعة عقود، ولازالت قائمة حتى قدوم الإصلاح المزعوم الذى "يأتى ولا يأتى"، صوتاً، وصورةً، وكتابةً على صفحات الصحف الصفراء، ومنابرالدعاية الرّخِيصة، مُشِيدَةً بمآثر الطاووس الوحيد، دون خجل، أوْ وَجَل، من البقية الباقية من ضمائرهم إنْ وُجِـدَتْ أصْلاً. لقد بالغوا الى حد الإلحاد في تمجيد هذا "المُلـْهَم، والمُلـْهـِم" الغارق في، عِشْق ذاتِه، والذى مُغْرمْ، بتعويض نقائصه، وهو يعلم جيدا في قرارة نفسه، الأمارة بالسوء، أنها ليست من خصاله، ولا يملك منها شيئاً.
إنّ هذا الشعر الشعبي الحكومي المُنـَافِق الذى تدعمه الدولة بكل ما أوْتِيت من سُلطة المال، والجبروت، و"المُغَمُوس" بـِآهَات، ودموع، وأحْزان دفينة، كابدها الإنسان الليبي طيلة هذه السنوات العجاف، فهذا الزّيف لمْ يَنْطل على أبسط "بسطاء الشعب الليبي". هذه هى فِطرَة الشعوب العظيمة، وإني على يقين لايشوبه شك مطلق أنّ الشعب الليبي العظيم يعرف جيدا، جَمِيْع سماسرة الكلام بالإسم الثلاثي لِمُهَرجى السلطان، المسطول، الذى يُعاني من تضخم عُقـْدَة "الأنـَا"، فـإنّ مُرَددى الهتافات التافهة، على جثث قتلانا، في ساحات الإعدام، ومن باب السخرية فقط، أطـْلـَقـْت على تلك التفاهات من الأولى الى الخامسة، المعلقات، وهي في حقيقة الأمر تستحق أن نطلِقَ عليها، بجدارة لقـْبَ "الـْعَلـُوْق" الذى يوضع، "بالمِخْلاة" في رِقاب الحيوانات، ليكون لها عَلـَفـاً، من "الكِسْبـَةِ"، وقليلاً مِنَ "الشعير"، لقد تمادى احد المجانين، ويدعى العزومي، بعدما فـُتـِحت له أبواب الإذاعة، والتلفزيون على مصرعيهما بـِأوامر عُلـْيا، وأصبح ضيفاً ثقيل الدم، والكلمة، وخَيّمَ على شاشات التلفزيون الليبي، مع شقيقه ، في النفاق محمد حسن وهما صنوان في مهنة واحدة، وتقيأ كثيرا بكلمات غير مفهومه، منافية للأدب، والذوق العام، وبوجه قبيح مزرى، فقد كان قِرداً، وببغاء، في آنٍ واحد، في "سِرْك" تخصص في التهريج، والإزعاج، وإنـْحِطاط ثقافة الشعر الشعبي الليبي، واستمرعلى هذا المنوال سنوات عديدة، لقد بالغ العزومي في غِـيّْه، دونْ أنْ يردعه أحد منْ قادة الثقافة الثورية، ففي احدى نوبات جنونه، خاطب حرائر، وطننا، من أمهاتنا، وأخواتنا، وبناتنا في، تلفزيون الدولة الرسمي قائلا لهُنّ: (يا كـَلـْبـَاتْ أمْـتـَى عمْركـَنْ قـَنـَيْتـَنْ خَمْس إحْرامَاتْ إلا في عهد إمعمر)!!!، فقد كان العزومي المرآة العاكسة لزمن الثورة الثقافية، التى أتت، على الأخضر، واليابس، ولمْ يتوقف هذا المعتوه إلى أن قضى الله فيه أمراً كان مفعولا.
 للعزومى تلاميذ كـُثـْر.. أحمد النويري مثالا |
إنّ للعزومى تلاميذ كـُثـْر، إرتووا، منْ نفس المستنقع الآسـِنْ الثورى، وعلى سبيل المثال لا الحصر، فقد خلف وراءه تلاميذ نـُجباء، من أمثال سالم صبره، والنويري، والرقيعى، ورجل الأمن الدموى على الكيلاني صاحب قصيدة" وين الملاين" والذى يقال عنه أنه يستأجر بعض الشعراء لكتابة قصائده، والعهدة على الرواة. اعدادا كبيرة من المتشاعرين ينبعث إلـْهـَامَهم، وأحاسيسهم الخائبة، من كـُرُوْشِهِم المُنـْتـَفِخَة، وشهواتهم، وقد جُبلوا على التملق، والرياء، فبعضهم يقبض مقدماً الهـِيْبات، والعطايا، بـِسَخَاء مفرط من سيارات، ورحلات الى الدول "الإستعمارية الإمبريالية" للترفيه خارج حدود فردوس أول جماهيرية في التاريخ وآخرها حتماً، ومن العطايا، والهيبات تذاكر سفر مجانية بالذهاب لآِداء فريضة الحج، والعمرة خارج نطاق القرعة التى حُوْصِر بها المواطن الليبي البائس، منذ أكثر من ثلاثة عقود، فهل تصدقون أيُها الناس الذين تـُطلِقْ عليكم وسائل الإعلام أنكم اصحاب المصلحة الحقيقة، في الثورة، والثروة، أنّ غالبية لصوص المال العام، والامناء، وكثيرا من المخبرين، والقتلة، و"الـْلـَقـَاقة"، وَكـُتـَّاب، "الأحْجـِبَة"وشعراء الحكومة قد أدّوْا فريضة الحج، والعمرة،؟ طامعين بالدخول الى الجنة، على نفقة خزينة المجتمع، الذى يجد صعوبة، في الحصول على قـُوْتِه، وقوت عِياله، فقد وصل الحال بهم في تجمعاتهم الثورية من مثابات، وقاعات المؤتمرات الشعبية وصولا الى قاعة وادادوغو، ففي كل هذه الأماكن، عندما يَقِفْ أي شخص، وينادى بصوت عال يا "حاج" يلتفت الجميع، ظاناً أنه المقصود، حيث أنّ جُلـّهُم ذهبوا للأراضي المقدسة، بأموال مسروقة من الخزينة العامة، ورشاوى، وجمعوا أموالهم، بالسُحت، وبطرق غير شرعية، حيث لاحسيب، ولا رقيب، على الأموال العامة.
يقام سنويأً مهرجان الشعرالشعبي "بمدينة الرباط الأمامي" بالقرب من خليج التحدي سابقاً، في ساحة أُعِدّت بـِإتقان، ويتوسط تلك الساحة العديد، من النُوق، والجِمَال، منها الواقفة، ومنها الباركة، ومجموعة من الجياد العربية الأصيلة، والعجيب، فإنّ هذه الخيول الأصيلة لايوجد بينها الرجل الذى تمنى ذات يوم ان يكون (حصانا يمتطيه العقيد) ويتصدر في العادة هذا المهرجان الشُويْعـِر سالم صبرة، والذى قبل أنْ يُقـَدِم الشعراء لإلقاء قصائدهم، يبدأ بغناوة عَلـَمْ تـُشِيْد بـِجَمَال القائد، وَلِبـَاسِه ثم يُعرج على منجزاته التى لاتـُحصى، والمعروف عن سالم صبره أنّه على استعداد أنْ يُمَجِد أى حاكم لليبيا حتى وإن كان بوبكر يونس أوالقاضى السفاح الذى اشاد بمآثره، القائد في شنق العباد (عبدالرازق الصوصاع)، أو موسلينى، هكذا يقول عنه أقـْرَبَ أقـْربَائه، وكذلك أبناء منطقة العُويلية، وبطة، التى ينحدر منهما، لم تكتف هذه اللجنة ورئيسها البائس بشعراء النفاق من أبناء الوطن، بل اصبحت في السنوات الأخيرة تستورد شعراء شعبيين من الخليج العربي متخصصين بإمتياز في مدح شيوخ وأمراء الخليج ، وجميعهم على شاكلة صبره، والنويرى، وبقية شلة الأنـْسْ. التى تـَخْتـُمْ ملتقاها ببرقية تأييد، وتأكيد، للعقيد، بـِانها عن المبادىء لاتحيد، مادام الدولار، والاسترليني، واليورو في متناول "الإيْدْ"، وحتى لانظلم العديد من الشعراء الشعبيين الشرفاء الذين يعبرون عن مآسى بلادنا فإنهم كثر، وأصحاب قصائد ذات مفردات رائعة فى مقارعة الظالمين، ورفض الحيف الذى لحق بنا جميعاً، غير انّ هذه الأشعارمازالت تدور بين الأصدقاء، والمعارف، وأهل الثقة، وحَبِيْسة داخل الجدران، وواجبهم اليوم يحتم عليهم أكثر من أي وقت مضى أنْ يشاركوا بقوة، وفاعلية لنشر الوعي، وَرَفـْع المعنويات، والهـِمَم بين ابناء الوطن بكلماتهم الطاهرة الشريفة، التى هى اقوى من اسلحة الدمار الشامل التى سلمتها قيادتنا صاغرة بعد أن رأت "العين الحمراء" من اسيادهم. إنّ وسائل الإتصال الحديثة متاحة بين ايدي الجميع من كمبيوتر، وموبايل، ولابد أن يساهم كل أبناء الشعب الليبي العظيم بكل ما يملك، ونحن الشعب الليبي نملك الكثير فجميع الأوراق بين أيدينا إن أحْسَنـّا إستعمالها، وترتيب أولوياتها، فعن طريق رسائل النقال نستطيع أن نتواصل من جنوب، وغرب، وشرق ليبيا، لإسترداد حقنا في موطن أجدادنا، تلك البلاد الرائعة التى، وهبها الله لنا، والتى لم تكن هبة لهذا الشعب الآبيّ من أحد.
أما بالنسبة للشعر العربي الفصيح، فـَحَـدِّث، ولا حرج، وسأذكركم ببعض الأبيات التى تقشعر منها الأبدان، وتشِيْبُ لها الوِلـْدان لكونها صدرت عن احد رموز الفكر في بلادنا فهذا الرجل اديب، وشاعر، ومؤرخ، وناقِد، هكذا سمعنا، وقرأنا عنه منذ عقود عدة، لكننا لم، نـَكـُن نعتقد أبداً أنه يَخْفي، بين جَوَانحه "عزومي" آخر بَشِع، وَأوْجه الاختلاف بينهما أنه رجل يجيد لغة الضاد، لكنه لم يحترم قدسية، وكرامة الحرف الذى أقسم الله به مِنْ عَلـْيَائه، حين قال فى محكم آياته "ن والقلم ومايسطرون" ففي خريف عمره سـَطرَ الاستاذ خليفة التليسي، بالقلم، وحرف النـُون بين يدي سيده، قصيدة بليغة، إسْتـَحْسَنـَها الطاووس، ونـَفـَشَ ريْشَهُ، ويَبْدُو أنـّهُ صَدَق الشاعر، وبعد إنتهاء الشاعر من إلقاء قصيدته تم "تـَوْسِيْم" هذا "الفحل" من قبل الصقرالوحيد في حفل نقلته، وسائل الإعلام مباشرة، وصفقت له الطيورالداجنة، داخل تلك الصالة، ومنذ ذلك اليوم اصبحت (حَجْتـَه بـِالـْجمعة) في ذاكرة أبناء الشعب الليبي، فيا مُقـَلِب القلوب ثبت قلوبنا، وهذه بعض من ابيات التليسي.
إيْـهِ أمِيْنَ القَوْمِ كـُلّ كـَريْمَة لابُدّ أنْ تلـْقى كـَريْماً شاكِراً
وَصَنـَائِع الأحرارتخْلقَ تُربَة للـْمكرمات وتسْتمِيلُ بصائراً
هذى الديار على رحابة ساحها هِيّ أسْرَة صُغْرَى تشِيْد أوَاصِرَاً
 سـَطرَ الاستاذ خليفة التليسي، بالقلم، وحرف النـُون بين يدي سيده، قصيدة بليغة |
نذكر الاستاذ التليسي بأن قصيدة بهذا المستوى لم يقلها أى شاعر من شعراء بريطانيا فى عظمائهم أمثال السير وينستون تشرشل الذى أنـْقـَذَ بحنكته، ودهائه، شعبه من براثن النازية التى دمرت عاصمة بلاده، ولم تـُمْدَحْ شـَخـْصِيته الفذة، التى غيرت مجرى التاريخ، بمِثـْل تلك القصيدة الباهته المُوْغِلة، في النفاق، كذلك الملكة فكتوريا التى كانت تحكم اكثر من نصف الكرة الأرضية، ولم يَنـْظمْ، في عظمة عهدها ابيات شعرية كأبيات شعرك الذى هو اوهن من بيت العنكبوت، وكذلك الملك جورج السادس، وإستمر الى يومنا هذا في عهد الملكة إليزيبيث الثانية، التى تملك، ولاتحكم المملكة المتحدة، منذ أكثر من نصف قرن، وكل الذين جاء ذكرهم، لهم من الإنجازات ما لا يُعَد، ولا يحصى لخدمة بلادهم! ... ما يحزن الشعب الليبي، ويثير إشمئزازه أن الأستاذ خليفة التليسي صاحب هذه الموهبة الشعرية لم يشارك شعبه في احزانه، ومصائبه المتوالية، منذ اربعة عقود، ولو بـِحَرْف واحد سِرّا أو علانية، وخاصة في جريمة أمْ الجرائم التى ازهقت فيها اكثر من ألف ومئتى روح بريئة، في سُويعات قليلة، بالقرب من مكتبه وظل صامتا صمت ابو الهول. إنّ دماء أولئك الأبرياء، سَتـَشـْتـَكِيك وتـُحَاجـِجُك امام ملك الملوك، وقاهرالمتجبرين، والمستكبرين يوم لقائه، يوم لاينفعك فِيْه ذالك الوسام الأخضر الذى زَيّن صدرك الذى يَبْـدُو أنّهُ لا يحمل فى داخله إلا قلباً أوْهَنـَهُ الجبن وحُبَ التزلف للسلطان، الغاشم الغشوم... ما يُثِيْرالإستغراب أنّ هؤلاء الرّجال عاشوا، وترعرعوا في كنـف عهد الإستقلال وتربوا على العزة، والكرامة، والكبرياء، وتحولوا فجأة فى خريف أعمارهم، في عصر المهالك، والمهانة الى رجال يَهـِزُوْنَ أردافهم على دقات الطبول، والمزامير، فياسبحان الله ماذا حدث لكم أيُها الرّجال؟.
نتوقف بكم عند هذا الحد عن أولئك الصعاليك الذين يتلونون كالحرباء، وأسمحوا لي بالحديث عن احد فرسان الكلمة الشريفة الملتزمة، والتى تناهت الاخبار، في الأسابيع الماضية أنه مريض، ويعاني من إنسداد بالشريان التاجي، إضافة لـِما يعانيه، من الغدة الدرقية، وكذلك بعض الأمراض الاخرى، ويعالج في الأردن، وقد رفض الطبيب المعالج له، القيام بعملية توسيع الشريان، حيث أنّ قلبه يعانى من ضعف، ولايستحمل عملية جراحية، فسلامة قلبك الكبير ياسيدى الكريم، وقبل الحديث عن سيرة هذا الرجل العطرة. أود أنْ اقول له:
يَــبْرَى دَاكْ وَيَمْــرَضْ .... الـْلِـّى مَايْسَــــاوْلـَكْ
عندما علمت بوجوده، في الأردن، حاولت الإتصال به، ولمْ ألـْق عناءاً، في الإستدلال على عنوانه، فصاحبنا شمس مضيئة، في سموات الله الواسعة، لاتـُطمس ابدا، فحتى الأعمى الذى لايراها يحس بدفئها، وحرارتها، وشعاعها، وحين الإتصال به، كانت هذه المكالمة الأولى بيننا منذ اكثر منْ ثلاثة عقود، فقد فـَرّقـَتْ بيننا آلاف الأميال، وسنين طوال، مِلـْؤها العذاب، والحنين الظامئ لأِعـْوَامً خَوَالٍ، لأِوَلِ لقاء جَمعني بشخصه الكريم الرائع منذ قرابة الأربعين عاماً. حينما رفع سماعة هاتفه ردّ قائلا: نعم من معى، فبادرته على الفور قائلا له:
يَبْرَى دَاكْ وَيَمْـــــرَضْ .... الـْلـِّى "مـَا يْعَـالـْجَكْ"
بعدها عرف الأستاذ محدثه، ضحك مِلأ فاه، ولمْ يُعَقِبْ، سألته عن حالته الصحية، فأخبرني بـِتفاصيل حالته، بدقة، ولم يكن فاتر الـْهـِمّة، بل شامخا كعادته دائماً، في جميع الظروف، تكررت مكالماتي له، في مشفاه، بالاردن، للإطمئنان على صحته، وقد إسْتشفيت رغم، ما يُعانيه من مرض، وآلامٍ، من نبرات صوته، وكـَأنها تـَقـُوْل، بـِشِعرنا الشعبي:
مـَازِلـْتْ نـَا هـُوْ نـَا... سَوَى يَقـْبْلـَنْ لـَيّامْ.. وَإلآ لا... عَالجُوْدْ والـْخَصَصْ
دَعُوْنِي أرْوي، لحضراتكم البعض من حكايات هذا الطود الشامخ، الذى إنْ صمت، فصمته أقوى من البرق الذى يسبق الرعود، وإنْ نطق، فإنّ حروف كلماته، تنقش على أفئدة، وجباه المعذبين، والكادحين، في هذا العالم المُتـْرَعْ، بالظلم، والقهر، وإهدار كرامة الإنسان خليفة الله في أرضه. هناك الكثير من شعراء بلادنا أهانوا الكلمة، فوَظفوها لمدح السلطان الجائر، وَحُبِسَتْ كـَلِمَاتـُهُم داخل الخيمة الخضراء، واستثمروا أشعارهم، كـَغـَنـَائم حرب، فقد كانوا"فرسانا ينافقون فارساً بـِلامعارك"، غير أنّ صَاحِبَنا صَاحَبَ الكلمة الشريفة، الذى سَخّرَ كلماته المضيئة، لأجل الإنسان المقهور، الـْمُداسة كرامته، وأنـْحَاز لطريق وَعْرٍ يقُودُ صاحبه الى المهالك، والدهاليس الرطبة التى لاتعرف شمس الله وُلـُوْجـِها أبَدا، صاحبُنا هذا هو الأستاذ الشاعر محمد الشلطامي شفاه الله، وعافاه، هو صاحب هذه القصيدة الرائعة والذى يقول فيها:
- ماركيسيا ؟
- فوضوياً ؟
- فإذن أنت من الإخوان المسلمين
ولماذ لا تجيب ؟
ما الذى تجنيه من صمتك يا ابن،
السفلة؟
ولدينا،
كل ما يمكن أن يجعل أمثالك من،
سقط متاع الناس يحكون بما نبغي،
وينهارون في المحضر
أشلاء رجال
فلماذا ؟
تسكت الآن لماذا ؟
ما الذي تجنيه من صمتك والتقرير،
مكتوب بخط التاج والرقعة والنسخ وانت،
الآن لاتهرب من حبلك،
فالتقرير قد أوحى به الرحمن للمخبر،
والمخبر في هذا الزمان
خادم الرّب، وأنت الآن في،
في قبضتنا
ولدينا
كلُّ ما يجعل من أمثالك الأوغاد،
ينهارون في المحضر،
ينهارون في المحضر،
يحكون بكل اللـّهجات البائدة
وبما نبغيه كالصلصال أنت الآن في
الكفِّ
فماذا
تشتهي الليلة أن تصبح فالتقرير
يلتفُّ على عنقك كالحبل،
ومن عشرين تهمه
ماركيسياً
فوضوياً،
ومن البعث وقومياً وفي رأسك،
أشياء من الإخوان والتحرير والشيعة،
والمعتزله
وبما أنك زنديق وكافر
فلما نستبعد الظنّ بأنك قرمطي
ويمينياً وأحياناً يسارياً جديد
ثم لا تنس بأن الزنج أصحابك مشمولين،
في التهمة، فاختر ما تشاء
حدد التهمة فاختر ما تشاء
حدد التهمة أنت الآن،
حددها ولا ترهقنا
تستجير الآن بالصمت
ولا تعلم أن الشاهد الأول في التحقيق،
يدعى الكهرباء
نحن لانرغب في أن يصبح الأطفال،
أبطالاً فحدد ما تشاء.
لك أن تختار في أرجوحة المشنقة،
السوداء لون الحبل،
والباقي علينا
تستجير الآن بالصمت وفي الحالين
أنت الآن ميت
حدد التهمة أنت الآن، حددها ..،
ودعنا نستريح
وطني يا أيها الطير الجريح
كم أنا أشتاق أن يرتاح في طينك،
جسمي
وطني
يا أيها الحب الذي أبنيه كي تشتبه
الشرطة في وجهي وفي عينـَّي أنت الآن
جائع
مرة أخرى لضوء الشمس فالظلمة،
تشتد وفي عينـيَّ انت الآن،
جائع
وطني كم أنت جائع
لظلال الأمن والحرية الحمراء والضوء،
الذي ينسل من زنزانتي الخرساء،
رائع
وطني كم أنت رائع.
فما رأيّ الكـُتـّاب، والشعراء، والمثقفين، والأبواق، والطبول الجوفاء، لحكومتنا "الرشيدة" في هذه الـمُعـَلقة، المعلقة، في الضمير الإنساني الـْحَيّ؟ فما رأيكـُم ياقوالون، وياسمّاعون الكذب، ويا آكـِلـُوْن السحّت؟
هذه بعض من خفقات، وأحاسيس شاعرنا الكبير، التى أوْهَنـَتْ قلبه الذى إتسع لِعَذابات الإنسان، في كـُلّ مكان، وزمان، فهذا هو عَمُكـُمْ الشلطامي، ياجيل براعم، وأشبال، وشباب، الفاتح، الذين سُدَّتْ في وجوهكم نوافذ المعرفة، والتعليم، وَزَوّروا لكم تاريخ بلادكم وأسـَأُوا إلى جميع رموزه عن سَبْق إصرار، وتـَرصد، وبطريقة مُمَنهجَة، كان قد سبقنا إليْها تشاوسيسكو، رئيس رومانيا السابق، والذى كانت نهايته، على يَد احد جنوده، والذى طالما لـَوّحَ بقبضته تأييدا للطاغية، وحين إنتفض الشعب الروماني على طاغيته، لم يَخْسر هذا الجُندي إلا رصاصتين أطلقهُما على رأسْ سيّده، بعد صدورحُكـْم الإعدام بِحَق هذا الحاكم المتأله في محكمة صورية لم تستمرأكثر من ربع ساعة من الزمن، حَدَثَ ذلك، في السنوات القليلة الماضية.
حينما تـَحْبـِلْ حروف الشلطامي، فإنّ مَخَاضها العسير، يجود بالبرق، والرعد، والامطار، على الأرض البـِوَار، إنّه دائما يراهن على الإنسان، في نفض غبارالهزيمة، والمهانة، وشَحْذ طاقات التمرد، والغضب، من اجل إنسانية الإنسان المقهور، ومن أشعاره:
حينما يزحم قلبي
بملايين الحفاة
آه كم يحلم هذا القلب
يستشعر
وقع القدم الحافي على وجه الأبد
وبوجه السطوة الفاجر
في كل بلد.
ثم يواصل الشاعر الكبير نحت كلماته، ويقول:
كان نهر الشعر موبوءاً وكانت
كلمات الشعراء
أبداً تطفىء فيه
حرقة السلطان للمجد وأخبار الجواري
وحكايات القساة
سارقي قوت المساكين بحد السيف،
كانت
أمّنا الشمس تعاني من جديد
وتعاويذ حواة الغيب في الليل
وزبف الخونه.
مرة اخرى نقول لك سلامة قلبك الكبير، أيها الأخ الحبيب، وجميع أحبابك يتضرعون للشافي المعافي أنْ يشفيك، ويقرؤنك السلام، سـَلـّمَك الله.
نعود بحضراتكم أيها الأحبة الى أربعين عامـاً خلت الى مدينة درنة، ففي غـُرّة شهر رمضان، وكان أول شهرصيام فى عهد الإنقلاب الجديد، تلك الأيام كانت توجد، بضواحي المدينة حامية عسكرية، وكانت تضم بين اسوارها قرابة آربعة آلآف جندى، وضابط، وفي احدى ليالي رمضان، خرج عدد كبير من عسكر "سوسة" تلك الحامية، يتجولون في المدينة، وبدأوا، بالتحرش، بسكان المدينة، كأنهم جنود غزاة، تجاوزوا حدود الأدب، والأعراف الإجتماعية، وأخذوا يضايقون نساء المدينة، باليد، واللسان، أثارت هذه الممارسات الشاذة، الضغينة، في صدور أبناء هذه المدينة، وكانت ردت فِـعْلـِهم عنيفة ضدّ هؤلاء السفلة، فهب جميع ذوي الهمم، من أبناء المدينة، يتصدرهم الشباب، ودارت معارك عنيفة، أسْتـُعْمِل فيها السلاح الأبيض، "والجالطين"، والتشابك بالأيدى، إسْتـَغْرقت هذه الإنتفاضة، مُدة ليلتين، أو ثلاث، وعلى أعقابها آثـَرَ بعض عقلاء الحامية سحب الجنود الى الحامية العسكرية، ومنعوا جنودهم"الأشاوس" من النزول الى المدينة، خشية تضامن القرى، والمدن المجاورة، للمدينة، وحتى لاتنتشر هذه الإنتفاضة في أماكن أخرى.
بعد إستتباب الأمن، بأيام قليلة تدخلت القيادة، بطريقة خبيثة، ظاهرها التعاطف مع المدينة، وباطنها معاقبة المدينة، فبدلاً منْ التحقيق المُنـْصِف العادل، ومعاقبة الجُنـْد الخارجين عن القانون، وبالقانون، قرر القائد العام للقوات المسلحة، إغلاق تلك الحامية العسكرية، وكان لهذا القرار المدروس بخبث، معاقبة المدينة إقتصاديّا، حيث أن هذه الحامية العسكرية كانت مُنـَشِطة، للنشاط التجاري، للمدينة، ممّا اثـر، في مصدر رزق الكثير من أبناء المدينة ، لكنهم لم يُعِيروا هذا القرار أيّ اهتمام، فالناس في تلك الأيام كانت كما يقول المثل الشعبي "إشْبـَاعْ بالشرف" لكن صانع القرار، وضع تلك المدينة، تحت مجهره، وبدأ بالتدريج، في مراقبة، وَعَدِ أنفاس سكان تلك المدينة، والقرى التى تحيط بها، الى أنْ وصل به الحقد بعد اكثرمن ثلاثين عاما على تلك الاحداث، الى ضرب المدينة، وجبالها بالطيران الحربي، ولم يقتصر ضرب الجبال التى تـَلـُفْ مدينة درنه وحدها، بل واصل نسور الطيران الحربي المغاوير ضرب القرى، والمدن الصغيرة، والجبال القريبة من منطقة كرسه، وكذلك الأحراش، والوديان المتاخمة لمنطقة القبة، وتم حرق غابات بالكامل، وكانت بعض هذه الغابات مليئة بأشجار الزيتون المباركة المزروعة منذ عصر الإغريق، والرومان ، وسنتطرق في إحدى الحلقات الى حرق غابات الباكور، ووادي الكوف، وكذلك غابة بَـرْسِسْ القريبة، منْ بنغازى.
ما يُثِيـْر السخرية، وليس الإستغراب إنّ من حرق أكباد الليبيات، والليبين، وجبالهم، ووديانهم، وأعـْتـَدَى على كـًلّ المدن والقرى، والواحات الليبية، بدون إستثناء، أطـْلـَقـَت عليه وسائل إعلامنا لقب رجل اطفاء الحرائق، والحروب، في افريقيا ، فهل هناك زيفـاً، وبهتاناً، مجانـاً مثل هذا يا عـِبَـاد الله!؟.
نـُوّدع درنة الحبيبة، كعبة ذِكـْريات الطفولة، وهَلـُمُـوا مَعي الى مدينة بنغازى، تلك الأُمْ الحنونة بالتـَبَني، فقبل أكثر من أربعين عاما، إنتقل الحاج عبدالسلام صداقه، من مدينة درنه، الى بنغازى، بشاحنته الكبيرة التى تجر خلفها جرارًا، وقد إستأجر شقة، بالدور الأرضي، في عمارة يملكها الحاج محمد تربح، هذه الشقة تقع في منتصف شارع قصر حمد مقابلة"للكوشة"ومنزل الشكماك، وعلى ذكر آل الشكماك أتقدم بمواساتهم وأعـَزيهم في الصديق المرحوم عبدالجليل أسكنه الله فسيح جناته.
ما أن استقر عبدالسلام صداقة، بتلك الشقة، المكونة من أربعة غرف، وصالة فسيحه، حتى إنتقل الى تلك الشقة مجموعة من شباب مدينة درنه، بعد أن نالوا الشهادة الثانوية، وانتقلوا، لـِمُواصلة تعليمهم في جامعة بنغازى، كان من بين هؤلاء الشباب محمد المزيني، وسالم مكراز، وفرج جبريل الديباني، وفتح الله إنديشه، وكان معهم عبدالعزير بوخطوه، الذى كان موظفا بأحد بنوك المدينة، تردد على تلك الشقة الكثيرسواء، كانوا القادمين مِنْ مدينة درنه، أوأبناء درنة المقيمين، في بنغازي، فقد أُطـْلِق على تلك الشقة مَزْحاً لقب السفارة، ومن بين أولئك الشباب سعد وعدنان القزيرى، وعياد، ورجب الهنيد، وهلال حويل، وصالح بن علي وعبدالكافي، واحمد بالو، ومصطفى بدر، ونورى الفلاح، ومحمد فتح الله سويسى، وأنور الدلال، وعمر، وعبدالرحيم الغرياني، وعطية الصرواحي، وكذلك سِي حمد باله الذى أشرت اليه سابقا في رثاء المرحوم الدكتور حمد بوشيحه، وبوبكرالطشاني، وأحمد ربيع، وصالح الألفي، وإلطيف العابدية، وابراهيم سلطان، وأسماء كثيرة جدا معذرة لعدم ذكرهم، لكثرتهم، لم تكن هذه الشقة مقتصرة على أبناء درنه فقط، خلال أربع سنوات من ترددى على تلك الشقة، إلتقيت هناك بمجموعة كبيرة من جميع مناطق ليبيا شرقاً، وغرباً، وجنوباً، من بينهم على الشلماني, وعمرالعلواني، وعلي اللافي، وجمعة إعتيقه، ورضا بن موسى، وكذلك سليمان محمود الذى زار تلك الشقة ذات ليلة، برفقة احد أبناء عمومته الشرفاء، والذى سُجـِن فيما بعد، لقد كانت زيارة سليمان محمود لتلك الشقة، زيارة تجسس، وإستطلاع، هذا ما أثبتته الأيام لاحقاً، فقد قمع فيما بعد الإعتصامات التى قام بها الطلاب أمام جامعة بنغازى القديمة، حينما صعد على سطح مدرعته أثناء حواره مع الطلبه، ثم أفرغ مخزن رشاشه فى الهواء، لإرهاب الطلبه، وقال عبارته الشهيرة "لو كنتم على حق لإتـَجَهـْت بكم الى الحرس الجمهورى وحاصرته معكم" يومها لم تكن مطالب الطلبة محاصرة الحرس الجموري، كانت مطالبهم إنشاء إتحاد طلبة منتخب من قبل الطلبة فقط، في جو نزيه بعيد عن التزوير، من قبل بعض المخبرين من الطلبة، الذين فيما بعد تبوأوا معظم المناصب الحساسة، في مفاصل الدولة، وبعضهم غاصت يداه، في إراقة دماء أبناء الوطن، فيما بعد.
 ابراهيم الكوني، والذى أصبح يعرف فيما بعد بإبراهيم "العالمي" |
كان من بين زوار ذلك البيت الشهيد صالح النوال، والضابط احمد بن حليم، وعبدالعزيز الغرابلي، والطيب الاخضر، والحاج يونس البلالي، والشهيد عمر دبوب. كما كان يزور تلك الشقة، الأديب ابراهيم الكوني، والذى أصبح يعرف فيما بعد بإبراهيم "العالمي" بعد أن تخلى عن لباسه التقليدى، وتلثم، بـِلِثـَام إخوتنا الطوارق، وكان هذا اللثام قاتم الإخضرار، تـَيَمُنـاً، بـِمَثـَلِه الأعلى الذى زرعه بعد ذلك، في جبال الألب، مكافأةً له على (أدَبـِه الجمّ)، في حضرته، وقد إسْتـَبْدَل ابراهيم الكوني سهراته، في تلك الشقة، بـِسَهرات ثوريّة، تـَمَلـُقِيّة، في أمسيات، قـَلـْعَة (القاهْرهْ) بالجنوب الليبي وكان التلفزيون الليبيي آنذاك يَبُثها، منْ حين لآخر، وتفنن ابراهيم الكوني، بمهارة، في تزويق الباطل، بالطلاء الأخضر، لـِمَن ضيّعَ البلاد، والعباد . الأديب ابراهيم الكوني، يملك امكانيات هائلة، فى الفن القصصي، والأدبي، هكذا يقول عنه أهل الإختصاص، لكنه إستبدل هموم، وأحزان شعبه، بقاهِر شعبه، وأصبح كـُلّ هَمِه الان السعي خلف الجوائز العالمية، وهذا من حقه، غير اننا نتمنى قبل ان يتحصل على جائزة نوبل للآداب، أن تـُنـْشأ جائزة ادبية ليبية جديدة، تحمل إسم جائزة العزومي، للفنون، والجنون العالمية، تـُمْنح، لأديبنا ابراهيم الكوني، الذى إنحاز بالكامل، للظلم، والعطايا، وخذل وطنه، وشعبه، وقت (العازة)، وهذه بعض من كتاباته في كتاب إسمه (ديوان البرّ، والبحر)، ففى الصفحة رقم 12 يقول: "لاحرية لإنسان لم يعرف ماذا يريد.."، ثم يقول في نفس الصفحة: "لاحرية لإنسان وهب للأغيار نفسه..."، ثم يضيف، في نفس الصفحة: "لاحرية لإنسان لم يجد السبيل لإنهاء الخصومة مع نفسه.."، ويضيف في الصفحة 13 قائلا: "لاحرية لإنسان لم يعرف كيف يتحصّن بنفسه.."، في الصفحة 14 يقول الكوني: "خطيئة أن يستهين الإنسان بحياته في سبيل إعلاء شأن إنسان آخر"، ثم يضيف فى الصفحة 15 "استهانة الإنسان بحياته في سبيل إنسان رذيلة"، وفي كتابه نزيف الروح يقول في الصفحة 87 "عبدٌ يَهْفـُو الى الحريّة، أنـْبَل منْ حُرَّ يرتضي العبودية"، ثم يضيف الكونى قائلا: "بحضور المال تقع فريسة النساء، وبغياب المال تقع فريسة الرجال"، ونتوقف عند مقولته الأخيرة، التى جعلت منه فريسة سهلة، لـِمَنْ يَحـْمِل، في (تـِكـّة) سرواله الأخضر مفاتيح خزائن البنك المركزي الليبي، ومن يتمعن، في معنى مقولة ابراهيم الكوني الأخيرة، يتبين له أنّ أديبنا " يَـحْمِلْ فى دَاخِلِه ضده".
تحولت تلك الشقة الى صالون أدبي رفيع المستوى، تناقش فيه جميع القضايا، الفكرية، والسياسية، وكل ما يدور فى وطننا الحبيب، وخارجه، بحرية، وشفافية، وإلتزاماً بأدب الحوار، وُأصوله، دون تشنج، وحساسيّات، وكان غالبية رُواد ذلك البيت من عُشـّاق الوطن، ومن جميع مناطق الوطن، رغم إختلاف مشاربهم، وكان سيد الكلمة الطاهرة الأستاذ محمد الشلطامي أحد المترددين على هذا البيت، فقد كان فصيح اللسان، ذو حُجَة، وبيان، وعلى الرغم من حيائه، وأدَبـِه الذى جُبـِلَ عـَلـيْهِما، فعندما يتحدث الإستاذ يتمنى مستمعيه أن لا يتوقف عن حديثه الشيّق، فعندما يتطرق للحلاج، يخيل اليك أنّه احد مُريديه، وعندما يتحدث عن بالبو نيرودا تظنه أنه من بؤساء دولة تشيلي، وعندما يحدثك عن لوركا، ومقاومته للفاشية فى غرناطة، وإعدامه عام 63 م بأوامر دكتاتور اسبانيا الجنرال فرانكو، يشعرك حديثه أن لوركا أخ لك في الإنسانية، كثيرا ما تطرق في تلك الأمسيات الى أعلام الفكر، من الامام الغزالي صاحب كـِتاب إحياء علوم الدين، الذى تستشف من حديثه عنه احترامه، وتوقيره لهذا الإمام، وكثيرا ماكان يستشهد بأبيات من شعر الإمام الشافعي، فالشلطامي على دراية واسعة بالتاريخ الإنساني، فالجلوس معه، في تلك السهرات الأدبية الممتعة، في تلك الشقة، بشارع قصرحمد، يُحلِق بك الشلطامي، عبر عبق التاريخ من العصرالاموي، الى العصرالعباسي، ثم العصر الفاطمي، أيضا يتحدث عن القرامطة، والمعتزلة، وعن الفتنة الكبرى، وعن إستشهاد الصحابيّ الجليل علي، وعن المأساة المخجلة الدامية، لأحفاد رسول الله صلى الله عليه، وسلم.
الحاج محمد الشلطامي موسوعة ثقافية، حُوْصِر، ولم يكن هذا الحصار بأمر من مجلس الأمن الدولي، بل كان حصاره من الأمن الليبي الغارق، في الجهل، والذى تـُرْعِبه الكلمة الحرة الشريفة.
سيدي الشلطامي، رغم كثرة الديون التى تـُثـْقِلْ كـَاهِلي، إلا أنني، سَـأظل مَدِيْنـًا لحروف كلماتك، التى حركـَت ضمائرنا، وَشَنـّفـَت آذاننا، ولازالت تنير دربنا المظلم، والتى تـُؤنسنا، في غربتنا، ومنافينا، واعلم سيدى الجليل أننا نحن اللاجئون الذين رحلت عنـّا أوطاننا، ولم نرْحـَل عنها، ورغم مرور هذه السنوات الطوال، فلا زالت الذاكرة تـُذكـِرنا، بـِأدَق تفاصيل حياتنا، في موطن أجدادنا، فـَأجْسادنا، في منافينا، وأرواحنا، في (الوطن الذى يـَسْكـُننا) هكذا خلقنا الله، فهل هذا يُعـِيْـبُنـا ياخـَلـْقُ الله؟
قالت النشرة أنّ الشمس
عرّتنا كثيرا
وأنا أنتظر الآن مجيئ
الحافله
وعلى بوابة الغربة استلقى
جريح
فجـّرْ الغضبة
فجّرها، ودعني أستريح.
ثم يحمل الشلطامي كلماته الطاهرة تحت جناحية، كطير حمام زاجل، ويطير بها عبر سموات الله الواسعة لايخشى الرصاص الطائش من بنادق قتلة البلابل المغردة، والحمام الزاجل، ويقول، للسلطان، الجائر.
يجهل السلطان أنّ الكلمات الدافئة
كالعصافير التى ترحل،
من كل مكان وإلى كل مكان
دون أن تحمل تصريح الدخول
يجهل السلطان أن الكلمات
الخضر
لم تولد، ولن تفنى
على بوابة القصر الكبير
ولذا يحفر قبره
حينما يحفر قبر الكلمة.
مرة أُخرى أُذكِر براعم، وأشبال، وشباب الفاتح، بهذا الشاعرالعظيم، الذى يُشـْبـِه شجرة زيتونة مُباركة، دائمة الأخضرار، والعطاء، فعندما هاجمت جسده النحيل الكثير من الأمراض، لم يجد مشفى يتداوى فيه إلا الأردن، وعندما يصاب، بزكام أيّ شـُويْعـِر، أوْكـُوَيْتبْ، أوْ أيّ من "المَجْرادة" الذين إمتهنوا النفاق، و"الحَجـِـيْل" يتحرك أسطول الإسعاف الطائر لنقلهم الى أشهر مستشفيات أوروبا، برفقة آلـِهـِم، وذويهم، بالكامل، وطوابير من أصدقائهم، مع تفويض مالي مَفـْتـُوْح، ومُصَدّق على بياض، إنّ مستشفيات أوروبا مكتظة بهذه الأشكال التى لاتشكوا إلا من التخمة "والكساد"ومراجعة الفوائد الربوية، لأموالهم المكدسة، والمسروقة من قوت الشعب . إن تكلفة الجناح الذى كـُسِر فيه (خَشـْم) تِلـْك الفاتنة زوجة هاني "البال" بعد إنزلاقها على السجاد الفاخر!!! حسب ما تقول الأوساط المقربة من هذا الشقي حيث( يُبَرْطِع) "إبْن القائد الإشتراكى الأممي هناك، بعيداعن الجماهيرية "البُرجعاجية"، وعَجَاجِهـَا، فى، ليالي الكريسمس، ناهيك عن (البـَكـْشيش) الذى كفيل، بمعالجة الكثير من المرضى، في بلادنا المريضة، وبمناسبة الحديث، عن هذا (الخروف) المدلل، الذى أصبح وصمة عار مشينة، لكل الشرفاء، فى هذا الكون، فيجب ألـَمْ يحن الوقت لإيقافه عند حده ؟، فقد أصبحت رائحته كريهة للغاية، فمن أين يستمد هذه العنتريات، وهذه الملايين؟، وعلى دعاة الإصلاح، والمطبليين لليبيا الغد، أن يبدأوا بإصلاح هذا الأرعن الخارج عن القانون، والأعراف ، فإن إستطعتم إصلاح مالا يُصلحْ، فإنكم واهمون، وهنا أود أن أهمس حكاية، فيها عبرة، لمن يعتبر، في أُذن الذى خرج علينا من عباءة والده مُدّعِيّاً الإصلاح، فهذه الحكاية تقول إن إبـِنْ توني بلير رئيس وزراء المملكة المتحدة السابق، ضبط مخمورا، فى أحد أيام رأس السنة وكان إبن توني بلير لم يبلغ عامه السادس عشر، والقانون البريطانى لايسمح لمن هم دون سن الثامنة عشر شرب الكحول، استوقفه رجل شرطه، وعند تأكده من أنه مخمور، إستدعى سيارة البوليس، ونقلته الى اقرب مركز، للبوليس، وبعد التأكد من شخصيته، تم استدعاء والده، ووالدته، برفقة محام، وقضى رئيس وزراء بريطانيا، في ذلك المركز قرابة ثلاث ساعات من الزمن، وتم إطلاق سراح إبنه بكفالة، وهو اجراء متبع مع جميع سكان هذه المملكة، العامرة، بالعدل، والمساواة، وفي الصباح الباكر كان حديث كل صحف، ووسائل الإعلام البريطانية، بعدها بساعات قليلة خرج تونى بليرللصحافة، واعتذر، للشعب البريطانى، على سلوك إبنه المخالف، للقوانين، وحاول أن يدافع عن إبنه مُتحَجـِجًا بصغر سِنـّه، واعداً بأنه سيبذل كل ما، في جهده، بعدم تكرار ذلك، ولم تطالب السيدة بليرأم هذا الصبي، ولا أُخته، ولا خالته، بسحب أموال وزارة الداخلية، ومعاقبة ذلك الشرطى، وروأسائه فأين انتم منْ هؤلاء الكفرة أيها المسلمون الذين تـَدّعُوْن أن القرءان شريعة المجتمع؟!!!!. فهل تستطيع أيّ صحيفة إصلاحية داخل الوطن أن تـُثِير قضية هانى"البال" على صفحاتها بجدية ونزاهة يا "صلآحْ إبـْلادْنا"؟.
دَعُوْنا من حكم الديمقراطيّة الغربية المزيّفة، كما يصفها كـِتـَابُنا الأخضر، وَلـِنـَعُوْدَ بحضراتكم، الى الديمقراطية الشعبية المباشرة، حيث أنّ الشعب يحكم نفسه، بنفسه، ونتيجة لهذه التجربة البديعة، كما يصفها مُبْتـَدِعها، فعندما حدثت مظاهرات الطلبة، عام 76م رافضة تدخل الحكومة، في تزوير الإنتحابات، وإنجاح العناصر الفاشلة، في التـَحصيل العلمي، والمخبرين المدسوسين بين الطلبة، وكان للطلاب يومها مطلب اخر، وهو تنظيم قوانين التجنيد الإجبارى، وليس رفض التجنيد الإجبارى، كما كذبت الدولة آنذاك تجنيًا على الطلاب، بأنهم لايريدون التجنيد، بدأت حركة الطلاب في تنظيم الإحتجاجات، والتظاهر، ورفض هيمنة سلطة اللجان الثورية، على المعاهد، والجامعات، على الفور تدخل الحرس الجمهورى، وقام بقمع هذه التحركات، بالرصاص، في شوارع المدينة، وأدى ذلك الى إستشهاد الطالب الفلسطيني مُوّفق الخياط رحمه الله، إثر ذلك حدثت معارك بين الطلبة العزل، والحرس الجمهورى المدجج، بالسلاح، واتجه الطلبة الى ضريح شيخ الشهداء عمر المختار، وهناك فـُرِقـُوا بالقوة، والإرهاب، إنتقلت جموع الطلبة الغاضبة، الى مقر الإتحاد الإشتراكي، وتم حرق مكتبة الإتحاد الإشتراكي، بالطابق الأرضي، كـَردة فعل، لـِما لحق، بهم من اذى، وإهانة، إستغل الحاكم العسكرى هذه الحادثة، التى كان ينتظرها على أحر من الجمر، لـِيصب جام غضبه، وحقده على هذا الشعب، وليرعب بقية المدن الليبية الأخرى، وكانت هذه الحادثة فرصة ذهبية، للتنكيل بالشعب الليبي قاطبة، ففي نفس الليلة، والايام القليلة التى تلت تلك الحادثة، بدأت حملة إعتقالات واسعة، شملت المئات، من الطلبة، وبقية شرائح المجتمع، مثقفين، وأدباء، وعمال، وموظفين، وبـَحَارة، وأناس كـُثر لم تكن لهم صلة بتلك الأحداث، وكان من بين هذه الجموع الشاعرمحمد الشلطامي، وأسماء كثيرة جدا كلها تتمتع بالسمعة الوطنية، وتهمتها أنها لم تشارك فى المهازل، والترهات التى بدأت تلوح في أُفق السياسة الليبية الجديدة.
زُجّ بهؤلاء الرّجال، بالحرس الجمهورى، بمنطقة البركة، حيث وقعت الواقعة، لأبنائنا، فقد إستلمهم هناك شخص إنتزع الله من قلبه الرّحمة، فقد كان حيواناً مفترساً مُتعطشاً، للدماء، ويَسْتـَمْتِع، بتمزيق اجساد أبناء وطنه، بالسياط، وتعليق اقدام الرجال، فى خشبة الفلقة، كـَشِيّاهٍ تـُعَد للسلخ، هذا الحيوان المفترس لااحد يعلم من أي غابة، او(خَرَارَةٍ) خرج علينا، فالحيوان المتوحش هذا يُدْعى حسن إشكال، لم يكن هذا الوحش "حسن"، بـَلْ كان "إشكالاً، وَنـَحْسًا"، وكانت افعاله مطابقة لـِلـَقـْبـِه الشاذ، فقد هشم بـِمِدْمَاك بندقيته رؤوس، واصداغ الرجال الشرفاء العـُزّل، في تلك الثكنة، المظلمة، الظالمة التى حولها هذا "الإشكال" الى سلخانة بشرية، ولم يكن "النحس إشكال" وحدة، في هذه السلخانة، كان ساعده الأيمن غـُراب البين الأسود عبدالله السنوسى، والإرهابي سالم المقروص، وعلي العقورى الذى أجاد فن "اللقاقة"وإنزال العذاب بأبناء مدينته وبقية أبناء وطنه، وكذلك علي إهْويْدى، ويوسف الصابرالزوي، وعثمان، وشقيقه السنوسي الوزري اللذان أثقلتا كـَاهِلـَهُما أوزار، مافعلوه، بأبناء، وبنات وطنهم، كل هذه الأسماء، السِتة التى ذكرتها، بإستثناء "النحس إشكال"، وغراب البين عبدالله السنوسي، فهم يتبعون المباحث العامة، وكانوا ككِلاب بوليسية، متوحشة، ومدربة، بمهارة على شم كلّ شريف، ووطني.
باشر "الإشكال حسن" تحقيقاته التعسفية، مع من رمتهم أقدارهم البائسة، في الحرس الجمهورى، معتمدا على عضلاته المفتولة، وضميره الميت، حسن إشكال هذا لمن لا يعرفه منحه الله فى الجسم بسطة، وقد بدأ التحقيق مع الاستاذ محمد الشلطامي، إسْتـَبْدل حسن "الإشكال" لغة التحقيق التى تبدأ، بالسِيْن، والجـِيْم، بعضلاته المفـْتوْلة، وبدأ بـِلـَكـْم الاستاذ على وجهه الحَييُّ، حتى كـُسِرَتْ نظارت الأستاذ الطبية، وحينما سقط الشاعر على الارض بدأ اشكال برفس الأستاذ، بـِظلـْفـِه، كان الأستاذ الشلطامي، في لحظة الغبن هذه، يتلوا سورة يس، سَخِرَ إشكال مِمّ يتـْلـُوه الأستاذ، وقال متهكما (تـَحْسَابْنِي جَنْ ياشلطامي) مُبْديًا بأنه لاعلاقة له بكتاب الله، ولايخشاه، وإنّ علاقة إشكال تنحصر، في الكتاب الأخضر فقط.
يذهب الأستاذ الشلطامي، أثناء التعذيب، في إغمَاءات، يَظِن بقية المعتقلين الذين تم تعذيبهم، على مقربة منه، أنه، قد فارق الحياة، سأله توفيق منينه الذى كان من ضمن المعتقلين عن سِر صبره، وقوة تحمله لضراوة ذلك الضرب القاسي، فأجابه الاستاذ الشلطامي: "إنّ الإغماء الذى يحدث لى أثناء الضرب، كان يساعدني كثيرا حيث أنه يفقدني الإحساس، بـِآلآم الضرب.."، لم يكن الأستاذ الشاعر الكبير وحده الذى تعرض، في وطنه لهذا العذاب المهين، فقد لاقى الكثير من شرفاء وطننا، مالاقاهُ الشلطامي، ففي تلك الأيام الحالكة السواد، تعرض كلٌ من ماهر بوشريده، وصلاح المغيربي، وعطية الصرواحي، والذين تم حرق شَعـْر رؤسهم، أمام جميع المعتقلين، أيضًا أُوثِقتْ أيادي الحاج يونس البلالي، من الخلف، وتم حلق لحيته، بإشراف عبدالله السنوسي، وبعد أنْ تم حلق لحيته قال له عبدالله السنوسي: يا يونس أنت الان كافر!!!
كل هذه الجرائم المقززة حدثت لأبناء الوطن، في ظلّ دولة تقول، إن المواطن الليبي، هو الإنسان الوحيد السعيد، في هذا العالم، وليعذرني بقية أبناء وطني الذين تعرضوا لتلك المحنة القاسية، لعدم ذِكـْر أسمائهم، فقد كانوا، بالمئات، وأتمنى من كل من يملك معلومة عن تلك الفترة، وما تعرض له رجالنا الكرام، على ايدى اللئام، أن يسجلها بـِأمانة، لكي نـُدَون التاريخ المظلم لتلك الحقبة المظلمة، والتى لازالت قاتمة، وقائمة حتى يومنا هذا.
إقـْتـَدَى حسن إشكال، وسيده، بالجنرال الفاشي غرسياني الحاكم المطلق أيام الإستعمار الطلياني، لبلادنا، وفعلوا فعلته المشينة، بـِجَلـْبِ النساء الى المعتقلات، فقد تم إعتقال اربع طالبات، من جامعة بنغازى، عام 81م الى احد سجون طرابلس، إسْتـَعـْرضَ الفارس المغوار حسن "الإشكال" رُجُولته، ففي بداية التحقيق مارس معهنّ الضرب، والركل، ثم قررتعليقهن، بالفلقة، التى ورثناها، من العهد العثمانى، رفضن حرائرنا الطاهرات إستحياءاً، وعـِفـّة، وَإزْدادن إصراراً، وَتحَدِيـًا، وَإنْ ادّى بـِهُـنّ هذا الإصرار الى الموت، مطالبات أن يُضْرَبـّن، وهُنّ مرتديات سراويلاً طويلة.
مـَابـِي مَرَضْ غـَيْر ضرب الصّبَايا وَجْلـُودْهِن عـَرَيـَا [2]
الطغاة لهم وجه واحد، في كل زمان، ومكان هكذا علـّمَنا التاريخ، في تلك الأيام كان الشعب يُضْربْ، وَيُهان، فيما كان القائد منهمكاً، في إعداد الوثيقة الخضراء لحقوق الإنسان، ولم يَعِرْ شعبـِه، أيّ إهتمام
فأعذروه، لأنـّهُ يَمْقـُتـَكـُم!!! رغم ما ارتكبهُ هذا الجلاد النذل، فقد تحالف معه احد زعماء المعارضة بالخارج، لإقتسام (الكعكة) معه، بـِدَسِيْسَة خَسِسَة، قـَدْ يأتي ذِكـْرها ذات يوم.
اختم هذه الحلقة بأبيات خالدة لشاعرنا الكبير محمد الشلطامي، شفاه الله، وأطال، في عمره:
الـْبـَابَ يُغـْلـَقْ والصباح
آتٍ أحُس بـِه
كـَأنّ يَداً تـُحَطِم في الظلام
سـُوْرَ المُحَال
كـَأن ضحْك الدهر يُنـْذِربالبكاء
وَأرَى صَلِيْبك صَوْلـَجَانك
وَانتهاءك مُبْتـَداك
وأراكَ تـَحْصد في حقول الموت
ما زرعت يداك
الان مِثـْلى أنت ذا في الرعب
تـَنـْتظر الصليب
تـَصْحو على وَهَم بـِأن يداً
تـَدُس لك الفناء
وبـِأن حصنك بالرفاق
يَمُوْج يزحم، والخُلاصَة بالفجر
تنسف رأسك الهمجي رَصاصة
قد خُنـْتَ آه.. لـَعَل ابشع ما يكون
هو الـْخِيانة.
معذرة لهذه الإطالة أيها الأحبة، لأنّ معـْضَلتنا أطول، مِن هذه الحلقة، بكثير، وَإن كان، في العمر بقيّة، فللحديث بقية.
فتح الله ابزيو
-------------------------------------
------------------
 الملك إدرْيس مع المستر أدريان بلت خلال الاحتفال بيوم الاستقلال 24/12/1951م |
"ربّـنـَا افتح بيننا وبين قومنا بالحقّ وأنت خير الفاتحين"
استهل هذه الحلقة من الوجدان، وبـِغاية الصدق، والإمتنان، للأستاذ فوزى العرفيّة، الذى إنْتـَقـَدني بشدة، في ما جاء بإحدى الحلقات السابقة من "بنغازى، وعبث الكوازى"، فالأستاذ فوزى العرفيّة، كما يعرف الكثير من أبناء ليبيا أنّ له حضوره الواضح على ساحة المعارضة الليبية، بالمنفى، منذ ثلاثة عقود ونيّف، وهو يناضل من أجل وطنه، ويدافع عـَمـّا يُـؤمِن به، ويكتب في كثير من المواضيع عبر وسائل الإعلام المتاحة له، وخاصة صحافة الأنترنيت، والتى أقـْبـَل بعضها، كـَقارىء، وأخـْتـَلف مع بعضها الآخر، ولا يَهم هنا نِقـَاط الإختلاف أو الإتفاق معه فيما يطرحه، لكن الأهم مـِنْ كـُل ذلك، أنّ الأستاذ فوزى يمتلك جـُرْأةً مُتـَنـَاهيّة، وشـَجَاعـَة الرّجال، لمْ يـَخْتـَـف الأستاذ العرفيّة، في كـُل كتاباته، ولم "يـَنـْطمِـرْ" عبر كل هذه السنوات الطويلة خـَـلـْـفَ إسم زائف، ومـُزَيـِّفْ، فـَكـُل ما يكتبه هذا الرّجل يـَمْهُرَه بإسمه الثلاثي، وصورته، ومهنته,وكذلك عنوانه، فهذه الميزات الحميدة، لايملكها، ولايـُمارسها إلا الرّجال، بـِغـَض النظر إنْ إتـّفـَقـْت معه أو خالفته، في بعض ما يطرحه من قضايا، مثيرة للجدل فـَلـَـهُ مـِنِي فائق الشكر، والإحترام.
أمـّا "المُـرْجـِف" فأهمس في أذنه التي أصابها الوقر، ليتأكـَد جيدا أنّ كلماتي المتواضعة هذه، سَتـَلـْـقف بإذن الله كيد سِحْرهِ"ولا يُفـْلِح السّاحِر حيث أتى"، وها أنا استعير حرفيًا ما كـُتِبَ بتعليق الكاتبة السيّدة الليبيّة الذى جاء فيه "اللي على راسه بطحه إيْحـَسس عليها".
والعسف والتاتار والمتشاعرين
وأظل أهتف،
أيها الجبناء إنـِّي
ما أزال
أقوى من الموت المدمر
والعـــذاب
لي خلف أروقة السحاب
ميلاد شمس الثورة الكبرى العظيمة
ماذا يُزيّف باعة الصحف القديمة
والجرب والمتهافتون وأُمتي أبداً
عظيمة. [1]
أيها الأحبة الكرام زَيـّنـْت مقدمة مقالتى هذه بالآية الكريمة، لأننى، لا أبتغي سوى تأكيد الحقّ، وتحرى الصدق، ولا شىء غيره، فلفظ الحقّ من أسماء الله جلّ عـُلاه، والذى نحن البشر، وكـُل من على هذه الأرض جميعًا لـَهُ، وإنـّا اليه راجعون، لا مَفـَرَ مـِنْ ذلك، وعِنـْدَ هذا الـْحـَد أكـْتـَفي مؤقتـًا بذلك، مواصلا حكايات "بنغازى، وعبث الكوازى "وهذه إيماءة يفهمها اللبيب"، وخاصة أخونا "العـَطِـيْب" صاحب مقولة (خَـلـْوَة النـَجْع مـِنْ سعدْ الجَذعْ العطيب).
أستميح السيّد إدريّان بيلت عذرا، لإنقطاعى عن مواصلة الحديث عن سيرته الحميدة لثلاث حلقات، لظروف خارجة عن إرادتي، أبعدتني عن الشارع الذى سُمـِيّ بإسمه، في عهد الإستقلال المجيد، وقد أطلق على هذا الشارع فيما بعد إسم المرحوم عبدالمنعم ريّاض، وقد تحدثت عن الفريق عبدالمنعم ريّاض، في حلقة سابقة، ولا داعي، لإعادة ما كتبته عنه سابقاً، وهنا أقول للسيّد إدريّان بيلت، الذى، وقف بضميره، ومهارته الدبلوماسية، لمناصرة قضيّة إستقلالنا المجيد، لاتـَهـِنْ، ولاتحزنْ، إنْ أزالوا إسمك الكريم، عن أحد أجْمـَل شوارع مدينتنا، فنحن ياسيّدى لـَمْ نـُفـَرِط في شارع يحمل إسْمك فـَحـَسْب، بـَلْ فـَرطـْنـا، فيما هو أكبر من إسْمك ومقامك الكريم، فرَطـْنا في وطن بكامِله، وبكل مؤسساته الدستورية، والقانونية، وبنخبة من رجالات ذلك العهد المجيد، خرجنا جميعـًا نتظاهر، في غـَيْبـَةِ وعـْيّ كاملة، وَسَـلـّمْنا عقولنا، ومشاعرنا الخائبة بالكامل، لبيانات، ومارشات عسكرية، وأناشيد صنعت على مقاس هزيمة مصر عام67م، وكانت مكرفونات الإذاعة الليبية، وأيضا الإذاعات المصرية، تبث تلك السموم,والأراجيف، وخرج الجمع إلا قلة قليلة سلمها الله، نـَعـَتـْنـَاها في حينها، بالرجعية، خرجت تلك الجموع للشوارع، والميادين كقطعان "متوحِشَة هائجة"مرددة هتافات عُـلِـّـبَت، وصُدِّرَت لنا، مـِنْ مطابخ الإستخبارات، ومُـرْشِدى الإتحاد الإشتراكى المصرى، بقيادة سيء الصيت فتحى الذيب، وبقايا تلاميذ مدرسة صلاح نصر.وقد كتب الاستاذ رشاد الهونى رحمه الله، وأحسن مثواه مقالاً جاء فيه: في الوقت الذى كانت فيه بلادنا في حاجة الى الخبراء بعثت لنا الشقيقة الكبرى "بالمخبرين". وأضِيْف للفقيد المبدع رشاد الهونى، انّ شقيقتنا الكبرى، أرفقت مع مخبريها، ثـُلة من المغنيات، والمغنييّن، وكان يَتـَصَـدر الوفد المرحوم شكوكو، بـِطاقِيته الشهيرة، وبـِصُحْبَة الفنانة نجوى فؤاد !! . وعددا لايستهان به من "الدرابيك" المصنوعة بتقنية عالية، من أرض الكنانة، ليدفعوا بمسيرتنا الجديدة الى الأمام، وسـِيْـلـَتهم، في ذلك الدّف، والمزمار.
كانت تلك الشعارات الرنانة التى استوردناها، من الشقيقة الكبرى، في حينها بالمجان، والتى دفعنا ثمنها باهضاً، فيما بعد، هى السبب المباشر، في تأخرديمقراطية الشقيقة الكبرى، وإحتِلال أراضيها، وتخلفها، وهيمنة العسف حتى يومنا هذا، فلازالت تـُحْكـَم بقوانين الطوارى منذ أكثر من نصف قرن . فأيّ مصيبة حَـلـّتْ بـِنـَا فيما بعد؟.
خرجت جموع النّاس يتقدمهم المرحوم "إمـْجاور" في الشوارع، والميادين العامة يهتفون بالروح .. بالدم.. نفديك... ياثورتنا، لـَمْ يـَكـُنْ المرحوم"إمـْجَاور"وَحْده، في مقدمة الصفوف الهائجة، فقد جاورالمرحوم"امجاور" في تلك المظاهرات الكثير، والكثير جدا من أبناء مدينتنا، لـَمْ يقتصر هذا الأمر على مدينتنا وحدها، بل إنتقلت تلك العدوى لجميع مدائننا، لم يكن أحد من جموع هؤلاء "الدّهماء" يعرف لمن يهتف، ولمن يصفق!، وما هي هَـوِيّات قادته الجدد؟ مـَرّ أكثر من اسبوعين، والجماهير تطوف الشوارع عارية الصدور، بعد أن خلعت قمصانها ملوحة بها فى كبد السماء هاتفةً لقادة مجهولين.وبالتالى نكون قد سجلنا سبقـاً، لم يسبقنا إليه شعباً آخراً، على هذه البسيطة، وَلـَعلّ هذا الفعل العجيب المريب، يستحق أن يُسـَجَل في موسوعة"قـِيْنِسْ"المتخصصة في تسجيل الأرقام القياسية، في هذا العالم .إستمر هذا التعتيم، والتضليل، الى أنْ تـَكـَرّم علينا مجلس قيادة الثورة بعد اكثر من اسبوعين، من السطو المسلح، بإعلان ترقية ملازم الى رتبة عقيد، مرةً واحدة، وإلى الأبد، ثم تواضعوا على استحياء، بعد نصيحة "مصرية"وقالوا لنا، إنّ هذا العقيد هو رئيس لمجلس قيادة الثورة، والذى تحول بعد أربعة عقود، مـِنْ حُـكـْمِه الى عميد الملوك، والرؤساءالعرب، لِـقِدَمـِه، و"تـَأبـِيْـدَتِـه" في هذه الوظيفة، التى لم يكلفه بها الشعب الليبي. لم يـَكـْتـَف هذا المُتـَألـِّهْ بهذا اللقب، فأضفى على نفسه البهيّة حِلــّة بالألوان غنيّة، بـِفـَضْـل ما تجود به أرضنا الليبية مـِنْ خيراتها السّخِيّة، والتى حُرِم منها كل ليبي وليبية لم "يـُدَرْبـِك، وَيُحَجّـِـلْ" للنظرية، تلك الأموال الطائلة التى بُدِدت بتهورعلى القارة الإفريقية، وكثيرا من الأرزقيّة، دون حسيب، أورقيب، مُنِحَ على أثرها لقب ملك الملوك، بعد أنْ كـَان يعرف في اوساط شعبه بلقب ملك الموت، وهكذا أرضى نـَرْجَسيته التى ليس لها حدود.
حدث ذلك كـُله ياسيد إدريّان بيلت، في بلادنا قبل وفاتك بسنوات قلائل، ولا أخفيك "يامستر" بـِيلت، أنّه قد حالفك الحظ، بـِوَفـَاتـِك، وَلـَوْ قـُدِّرَ لك أنْ دُفِنَت رفاتك في بلادنا التى نـَاصَرْتـَها وقت مِحْنـَتِهَا، لنـُبِشَ قبرك، وألـْقـِي بـِرُفـَاتِك في البحر خارج المياه الإقليميّة، بـِحجة أنك إستعمارى، ورجعي، وكافر لاتدين، بالإسلام، كـَمَا حدث، لـِبَـعْض الأموات الليبيين، الذين نـُبِشـَت قبورهم، ورميت عظامهم بعيدا عن المياه الإقليمية بحجة أنّ أرْض المختار، لـَنْ تضم "عظام الجيف النتنه"هكذ كانت تقول صحيفة الزحف الأخضر آنذاك، التى يـَدّعِي صاحبها الان أنّه قد بلغ سن الرّشـْد.
حضرة السيد إدريّان بيلت، يُسَاورني، من حين لآخر سؤال، وأعـْلم أنك لن تـُجِـبني عليه، لأنك الآن بين يدى خالقك، ومع ذلك سأطرح هذا السؤال الإفتراضي، هل تعتقد أنّ الشعب الليبي، في تلك الأيام قد نضج لـِيَحْمِل مسئولية الإستقلال المجيد؟ ذلك الإستقلال الذى نبهنا على المحافظة عليه، السيد ادريس السنوسى، في مختصر كـَلامه الحكيم، بقوله: إنّ المحافظة على الإستقلال أصعب من نـَيـْلـِه.
كلما حاولت الإسترسال، وإستمكال الحديث عن شارع إدريّان بيلت، وسكانه الطيبين، وبعض معالم ذلك الشارع، يتغير المسار، من حيث لا أحتسب، وتفرض المستجدات الإبتعاد عنه ففى الفقرة الأخيرة، وبعد كتابة حِكـْمَـة السيّد ادريس، ورأيه السديد: بأنّ المحافظة على الإسقلال أصعب من نيْـلِه,برزت علينا شطحات العقيد التى لا تنقص، وتزيد كلما طال حكمه الذى لم يكن فى يوم من الأيام رشيداً، وهذا يشهد عليه القريب، والبعيد، فكان جديد العقيد هذه المرة خروف العيد، مخالفـًا لأمة التوحيد، وأختبأ هذه المرة خلف اجهزة الإستشعار من بعيد، لقد رجع الصقر الوحيد لنزقه القديم الجديد، فألغى، وَحَرَمَ شعبه عن سبق اصرار، وترصد، كعادته بهجة العيد على أن تدخل قلوب أبناء شعبه الذين يعاملهم، كعبيد إمتلكهم، في عهد الرّق من أسواق النخاسة، منذ الزمن التليد. كان هيرودوت يقول من ليبيا يأتى الجديد، لكنّ قائدنا يؤمن انه من ليبيا " يأتى العصبان والقـِدِيْد"يوم"الكـَبـِيْرة" الذى وافق يوم الخميس، وليس يوم الجمعة الذى اجمع عليه الجمع بأنه يوم العيد.
سأكتب ياحبيبتنا الكبيرة
فيك أشعاري
وأضفر من مواويل الصبايا،
والرجال السمر
ومن أحزان قريتنا وآلامي،
ترتيلا
غداً إن جاء يغزو الجدب والصحراء،
والليلاء
ومر على ليالينا الحزينة،
فجرك الأخضر
سأزرعها على الأهداب يا حبي الذى،
يكبر
وأُوقد في ظلام الجبِّ قنديلا
أنا في ضوئه الوسنان أقتل،
هذه الأشهر
وأسمع صوتك الأخضر
ربيعياً ... ربيعياً
يلوِّن هذه الأشياء
يبارك هذه الأحزان والآلام، ..والأشجان
أَما قالوا.. أما قالوا.. ستكسر هذه القضبان
ولكنِّي على عتمات هذا الجبِّ .. أسمعك
فيصغر بيننا السجّان
وأرقب في عيونك فجر.. دنيا غير دنيانا
تـُقـَلـِّم مخلب الهمجيّ تصنع منه.. إنساناً [2]
هنا أيها الشعب العظيم اريد ان اتطرق الى سيرة هذا الشـَقـي الذى لم يفهم نفسه بعد، ولنْ يفهمه أحد، وإلى الأبد، ولن أضيفكم جديدا، عن سيرته، فقد خبرتـُموه عن ظهر قلب، ونحن جميعـاً ضحاياه، بدون إستثناء، عبر سنوات طويلة موغلة، في السواد، ولتسمحوا لي أنْ اغوص بكم، في مستنقع إنقلابه الآسِن، الذى لم، يَجُر علينا، وعلى موطننا، إلا العناء، والبلاء .سأختزل من تاريخه غريب الأطوارماقلّ، ودلّ .اثناء خطاب له تجدونه مكتوب بالسجل القومي، وفي تسجيلات التلفزيون، والإذاعة الليبية، خاطب أبناء شعبه فى لحظة هستيرية، وبـِلـُغـِّة زعيم عصابة، غير محترم قال لجموع الشعب: سوف أسْـتـَجْـلِبْ لكم شباباً من أبناء الطائفة الدرزية لـِتـَهْجِيْن نسائكم!!!. بهذه العبارات المخجلة تـَقـيّئ قائد الصمود والتصدى على أبناء شعبه، وإنتهك حرمات بـَنـِيْـه ، فهل نسيتم ذلك الخطاب الذى ألقاه بالقرب من مدينة الرجمة؟.
نوادر، "وزقاطات" جحا السمجة لا تخفى عليكم، سأُذكِركم ببعضها، لأنّ الذكرى تنفع المؤمنين، وعلى سبيل المثال لا الحصر أُضيف لحضراتكم ماتيسر من سيرة شطحات، و"شطيح" هذا المتأله على طول سنون حكمه الباغي، والمخجل لنا، وللإنسانية جمعاء. ففي إحدى نوباته الوحدوية، وبتكليف صريح منه، تم الإعداد للآلاف المؤلفة من ابناء الشعب، وخرجت تلك الجموع من منطقة راس جدير بأقصى الغرب الليبي، مواصلة المسير قاصدة مصر، وكانت وسيلتها في ذلك الوقت، وسائل مواصلات حكومية أعدتها الدولة، بإشراف الإتحاد الإشتراكي، وأرتال من سياراته، دون إخـْطار السلطات المصرية، بذلك، وما أنْ وصلت تلك الجموع داخل الأراضى المصرية، حتى إستاءت الحكومة المصرية من هذا السلوك الأرعن الغير مسئول، وتعاملت مع جموع "ياجوج، وماجوج" بصرامة، وحزم، وأغلقت مداخل مصر تحديداً عند منطقة فوكة المصرية، وأغلقت السطات المصرية ذلك المعبر بعدد من القطارات لمنع هذه المسيرية العجيبة، التى تجاوزت الأعراف الدبلوماسية بين الدول، وعندما احتج الرئيس السادات في خطاب رسمي علني، كان رد صاحبنا، وعلى الهواء مباشرة، مؤكداً بأن لا علم له بذلك، وأنّ القرارإتـّخذته الجماهير دون علمه!!!. الطامة الكبرى لجحا زمانه مأساة حرب تشاد التى ضاع فيه آلآف من صفوة أبنائنا الكرام، في معارك وهمية لا ناقة لنا فيها ولاجمل سوى تلبية نزوات القائد "الأدنى" لقواتنا المسلحة، الذى تخلى فيما بعد عن أراضينا فى منطقة أوزو بعد ضياع، وتيه أبنائنا الذين اصبحوا طعاما صائغا لضوارى الصحراء، وغربانها السوداء,والذين لم يجدوا من يوارى سوءتهم الطاهرة. فماذا بعد ذلك؟.
أنكر الناكر الماكرعندما حاصرته الصحافة الدولية، وأقسم"بـِأغلظ الإيمان"وَبـِجَدّه المزعوم موسى الكاظم عليه السلام، بأنه لا علم له بما حدث فى تشاد، وأن كل هؤلاء الرجال العسكريون الأسرى الذين تتناقل اخبارهم الوكالات الإعلامية هم عبارة عن مزارعين في"منطقة صحراوية قاحلة"، وقد فاتـَهُ، في ذلك المؤتمرأن يخبر رجال الصحافة العالمية أن تلك المناطق التى أستشهد، وأُسِـرَ فيها الآلاف، لم تسقط فيها قطرة ماء منذ ازمنة مديدة!!. فأيّ زراعة في منطقة أوزو؟ وأيّ نبات ينموا في تلك المناطق؟ التى زعم "الملهم" انها زراعية، تلك الصحارى القاحلة المخيفة، التى ينطبق عليها قول الشاعر.
بلاد نـَبـْتـُها عُشـْرٌ وطلحٌ وأكثر صيدها ضبع وذئب [3]
هذا قليل من كثيرمِمّا صَنـَعَ "الدوتشي الليبيّ"، ولا تنسوا أوغندا، وتماسيحها الشرهة التى إلتهمت أبنائنا، إضافة الى كارثة الأمة الليبية، بالأمس القريب، في مَهْـلكة، أبوسليم، حيث هلك الجميع، والتى تنصّـل من تـَبِـعـَاتها"ملك الثوار"صاحب الخيمة المزركشة الطائرة مَعـَه حيث ما حلّ، والتكاليف على نفقة "المجتمع" المتسول لِقـُوْتِ يومـِه.
نعود بحضراتكم الى أعياد الجماهيرية العربية الليبية الشعبية الإشتراكية العظمى الوراثية، التى حافظت، بدقة متناهية على مواعيد أعياد الإنقلاب المشؤوم مبعث احزان المواطن الليبي، ضاربة، بـِقـَرنى الإستشعار عن بعد عرض الحائط، وكذلك تواريخ ادعائه بأنه قبع في جحره "كجربوع" أجرب لمدة، أربعة آلآف يومٍ، كما يزعم "مزور التاريخ وجوازات السفر"وتلاعبت تلك السياسات، بطريقة سمجة ماكرة مسْتـَهـِينة، بمقدسات شعبها المسلم. لكن" هذه المرة لن تسلم الجرة " كما يقول مثلنا الشعبي.
ظنت قيادتنا المتغطرسة على شعبها، أن سكوت هذا الشعب، من علامات الرضى وعدم مبالاته بأنه راضٍ عن ممارساتها الشاذة فى جميع سياساتها، وعلى من يدير سياسية هذا الوطن أن يعلم جيدا بأنه.
ليس السكوت في كلّ أوانه رضى قد يسكت"الشعب" ساعات من الغضب [4]
فأتقوا غضبة هذا الشعب الأبيّ الذى أُسْقِط من حساباتكم العشوائية، احذروا غضبة الحليم، فإنّ غضبة الشعب لا تـُبْقي، ولاتـَذَر، والتاريخ يشهد بذلك، لو استقرأتم التاريخ جيدا، لأستيقنتم جيدا (أن هذا الشعب رغم أنه شعب مسالم لكنه لا يعرف الرّحمة لمّا ينتقم) فلا تستهنوا به، والأيّام بيننا، ودولة الظلم لا تدوم هكذا تقول نواميس الحياة، كلا لا مفرمن هذه الحتمية، حتى وإنْ زَيّنت لكم شياطن الإنس، والجن أفعالكم المشينة، والمعيبة معـًا.
إنّ استهتاركم بهذا الشعب العظيم، وهو صاحب المصلحة الحقيقية، في وطنه، الذى كـُلِلّ، جبينه بالمذلة، والمهانة، عبر كل هذه السنوات، ستكون عواقبه وخيمة، لأنّ قيادتنا سدّت كل المنافذ في وجهه، وإعتبرت ليبيا، ومافي باطن ارضها مِلـْكاً خاصاً بها، وكأنّ "طابو" الأراضي الليبية موجود فى جيب سروالك الإفريقي الأخضر الفضفاض، فهل يليق بك، وبنا أن تحمل شعباً، ووطناً، بجلبابك المطرز بصور قادة إفريقيا؟ من أمثال الرئيس موغابى "اللي موغابي حد في رزالته مع شعبه"، ولم تكن وفياً إذ تناسيت، صديقان حميمان، افريقيان، كان من أعزّ احبابك، لم نر صورهم على جلبابك، وهما الشاويش عيدى آمين دادا ذاك الثور الهائج الذى ذاق منه شعبه الويلات، والدمار، وكذلك الصّولْ بوكاسا آكل لحوم البشر، الذى تطوعت بـِخَتـْنِه ذات يوم، كما تقول المصادر الشعبية الليبية.
إنّ دوائر الشر المحيطة بسيادتك، والتى إخترتها بعناية، وجعلتها واجهتك السياسية، والتى يعرفها كل فرد من افراد رعيتك، بأنّ السواد الأعظم منهم، كانوا، ولازالوا من أصحاب السوابق المخجلة.
إنّ هذه الفئة الباغية، التى جعلت منها سادة والذين يأمرون بالمنكر، وينهون عن المعروف، لأنـّهم تحت مظلتك، ورهن إشارتك، وسيكونوا هم السبب المباشر لغرق هذه السفينة الخضراء المتآكلة اصلا، وقبل الغرق بقليل ستكون قرنية استشعارهم عن بُـعـْد قد دلتهم حيث تتكدس أموالهم وغنائمهم المنهوبة، ويفرون وستبقى وحيدا مرددا الغناوة الشعبية (طار الحمام وصفقي ياوزه).
قبل أن يطير الحمام، ويصفق الوز، فلا مفرّ لك من أن تـُعـِـيْر أذن صاغية، بكل تواضع، وإحساس، بالمسؤولية، لصوت الناس، الذين ضاقوا بك ذرعـاً، على كل الأصعدة، ولعلك سمعت تعليقات، وأشعار شعبك الساخرة، في كبش العيد الذى أرتبط بشخصك فقط، في مهزلة العيد الأخيرة.
لا يسعني في عيد الأضحى إلا ان اقول لك (بـَعْ) و(بَـعـّيْن)، حيْث أنّ لُـغـَتِي العربية عجزت عن جمع أكثر من (بَـعّيْن)، ولو إسْتـَطعت لفعلت ذلك، وبارك الله في إمْرئٍ عرف قدر نفسه.
قد دافع الشعب عن عقيدته، وقاوم هرطقاتك المزمنة، عبر وسائل التقنية الحديثة متخذينك مادة للسخرية، والتندر، وهذا قدرك عندهم، وإن حَسـِبْت غير ذلك فإنك وَاهِم، فقد باح صوت الناس، مخاطباً الوسواس الخناس، بالمختصر المفيد بما إختلج في صدورهم، وبـِلهْجتنا الشعبية قالوا لك.
لا خطرت في عقل إبليـس
ولا تحصل فى عهد ادريس
من جمعه خلوه خميـس
****
كبش العيد إحتار وسلم
عارف شيخ القوم إمسلم
****
خَلك من رايات إبليس
العيد الجمعة موش خميس
****
كتب المعارض، والكاتب، والإعلامي المميز الأستاذ محمود شمام عن هذه المناسبة محللاً، ومعللاً، وموجهاً أبناء وطنه مقالةً، بعنوان هل خسرت السلطة معركة "الأضحى؟" ويستجيب شعبنا الأبي نعم يا سيد محمود، فقد خسرت خسرانأً لاغبار عليه، وبعد أن اصاب كبد الحقيقة أنهى السيد محمود شمام مقالته، ماذا لو....؟
لقد انتصر عجوز هرمٌ تجاوز العقد السابع من عمره، فى إيران على اعتى دكتاتوريات عصره، في معركة غير متكافئة، لم يكن يملك فى ساحة الـوَغـَى سوى الحق، والإرادة، واشرطة الكاسيت، إنتشرت تلك الاشرطة البدائية، بالمقارنة بما نملكه اليوم من تكنولوجيا متطورة للغاية، بين جموع الشعب الإيراني، فتفاعل معها، فماذا ينقص أبناء الشعب الليبي العظيم، لإسماع صوته عالياً ؟، رغم كل الصعاب وما ذلك على الله بعزيز، وعلى الغالبية الصامته أن تبتكر وسائل حديثة لرفع هذا الحيف لنحيا جميعا بسلام وأمن وسادة فوق تراب اجدادنا، فعلا لاشعارات مزيفة كالتى تبثها وسائل الإعلام الحكوميّة التى اثبتت زيفهـا عبر اربعة عقود " أسْـوَدْ من قرن الخروب".
إن حرية الشعوب العظيمة لا تأتى بالإختفاء خلف الدبابات، وأساطيل الدول الإستعمارية، فالشعوب العظيمة تنتزع حقوقها، وكرامتها بعرقها ودماء، وسواعد أبنائها، وبناتها، (ومن لا يأكل بيده لا يشبع) هكذا تقول امثلتنا الشعبية، ولـْتـُقـْطعْ كلّ يد من منبتها تمتد لغريب متسَـوِلـَة منه مد العون لعودة كرامتها.
وطني علـّمَني أنّ حروف
التاريخ مزورة
حين تكون بغير دماء [5]
معذرة لهذه الإطالة أيها الأحبة، وإذا كان فى العمر بقية فللحديث بقية ودمتم بخير.
فتح الله ابزيو
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] محمد الشلطامي
[2] محمد الشلطامي
[3] شعر عربي قديم (؟؟)
[4] احمد رفيق المهدوي
[5] مظفر النواب
* صورة (الملك إدرْيس مع المستر أدريان بلت) من أختيار الموقع وقد سبق وأن نشرها في النت، وفي موقع (ليبَيا المستقبل) الصّادِق شكري في حلقته الأولى من سلسلة: (العهد الملكي - رجـال حـول المـلك)
===================
قبل أن إسترسل في الحديث عن شارع إدريّان بلت أود أن يسمح لي القارىء الكريم ببعض الملاحظات، التى لامناص لي من ذكرها ليعلم الجميع أنّ ما اكتبه من كلمات متواضعة عبر موقع ليبيا المستقبل، قابلا للنقد، والتصحيح، او رفضها بالكامل، فأنا لا اتحسس مطلقـًا من النقد، وأرَاهُ ظاهرة صحية خاصة لمن أراد أن يتوخى الحقيقة لأننا جميعا ما غادرنا وطننا إلا من سيّادة الرأى الواحد، فحكايات بنغازى وعبث الكوازى لاتتمتع بعصمة، وحصانة الكتاب الاخضر المعصوم، الذى جنينا من عصمته التى استندت على حدّ السيف كل المآسي التى لا تخفى عن أحد، سوى كان معارضًا، أومواليـًا، أو بين البينين.
إعتـَمَدت منذ الحلقة الأولى من حلقات "بنغازى، وعبث الكوازى"على الذاكرة التى أسْعـَفتني حينـًا، وأحَايين أخرى خانتني، لتقادم تلك الحكايات، كما أشـرْتُ، بإحدى الحلقات الفائتة، ففي الحلقة الثامنة عشر التى خصصتها بالكامل، لتأبين"سيّدة الشفا"بنْت الأكارم السيّدة فاطمة الشفا ملكة ليبيا عليها رضوان الله، تلقيت بعد نشر تلك الحلقة العديد من المكالمات، من داخل ليبيا، وخارجها، وكذلك بعض الرسائل، وعددا لابأس به من الردود، وتعليقات بعض القـُرّاء الكرام، وكذلك رسالة العزيز هشام بن غلبون، بتاريخ 4 نوفمبر2009م، الذى أطرَأ على المقالة،ولم يَـغـْمطني حقي، بالرّغـْم أنـني أسأت غير قاصدا، حينما تطرقت لـِذِكـْر والده المرحوم السيد عبدو بن غلبون رحمه الله، وقد كتبت، في تلك الحلقة ما معناه (ما أن إستقر السيد عبدو بن غلبون بالاسكندرية، حتى بدأ يسأل عن مقر سكن السيد الجليل ادريس السنوسى)، الى آخر الفقرة بالحلقة الثامنة عشر، وبعد قراءتى لرسالة العزيز هشام قراءة متأنية رجعت الى المصادرالموثقة، بالتواريخ، عن ادبيات المعارضة الليبية، منذ نشأتها الأولى، في السنوات الاخيرة من العقد السابع من نهاية القرن الماضي، فالوقائع، والمعلومات الصحيحة تقول غير ماذكرته، عن قصة إتصال السيّد عبدو بن غلبون، بالسيّد الجليل ادريس السنوسي، فالإتصالات الحقيقة، تمت بين العائلتين، بعد أن ذهب السيّد محمد بن غلبون، إلى بيت السيّد الجليل ادريس السنوسي، بالقاهرة،وجدد البيعة للسيّد ادريس السنوسي، وكان ذلك قبل عدة اسابيع من الإعلان عن تأسيس الإتحاد الدستورى يوم7 أكتوبر 1981م هكذا تقول الوثائق المنشورة حينها التى أطلع عليها المهتمون بشؤون المعارضة الليبية آنذاك، أما المصاهرة فقد تم عقد القران في يناير 82م أى بعد المبايعة بشهورعدة، في بيت السيّد الجليل ادريس السنوسى، وكان الفرح، قد تم فى الشهر الرابع أو الخامس من نفس العام، هكذا تـُثـَبـِتْ الوثائق الرسمية، وكذلك بطاقات دعوات العرس والتى تشهد تواريخها بذلك، وهنا يُلازمُني سؤال قديم أعتقد أنـّه منـْطِقي. إذا كان السيد ادريس السنوسي، رفض تجديد البيعة من الإتحاد الدستوري، كما يقول بعض خصوم الدعوة، للعودة الى الشرعية الدستورية، ورفع راية الإستقلال المجيد، فهل تنـْقـُص الملك ادريس، والملكة فاطمة الشفا الحكمة، والحيلة!؟ اعتقد أنـّهُما، كانا بكِتابة سَطـْر واحد قادران على تكذيب الخبر، وَدَحْضِه ونسْفِه من أساسِه، ويُوضحا للرأى العام أنّ العلاقة بين العائلتين لاتزيد عن المصاهرة فقط، وبالتالى نكون قد ارتحنا جميعًا من هذا الصداع المزمن الذى لم تنتهى اوجاعه بعد، وهنا استطرد ما كان السيد ادريس ليصاهرهما، خاصة وأنّ المصاهرة، قد تمت بعد الإعلان عن تأسيس الإتحاد الدستوري،وهنا أود أن أشير أنني لست عضوا بالإتحاد الدستوري، وما كتبته فى هذا الموضوع ليس تزلفا أو رياءاً، فهاتان الصفتان لاتليقان بـِأيّ رجل اضطرته ظروف العسف، والنفاق، التى كـَبَلـت موطنه، أن يغادر موطن اجداده، ويمارس التزلف، والرّياء، بالخارج، فقد تـَعـَلمْت منذ البداية، أنّ المبادىء لاتتجزأ.
أجَل، فالمبادىء لاتتجزأ، فعلاقتي، بالإتحاد الدستوري، ومؤسسيه لاتقل، ولا تزيد عن علاقاتي، بمعظم تنظيمات المعارضة الاخرى، وأكـَادُ أجْزِمْ أنّ بعض الخصوم السياسيين، للإتحاد الدستوري، تربطني بهم علاقات حميمة، وأتمنى من القـُرَاء الكِرام الذين يخالفونني، فيما كتـَبْت، ويرغبون، بالرّد عـَلـَيّ، وتصْوِيْب ما يَروْنـَه خَطأ فِيْمـَا أكتـُب أنْ يَتـَفـَضَلوا مشـْكـُوريْن، بـِكِتـَابة أسمائهم الحقيقية، لنتواصل معهم، بـِالحوار الذى يـُثـْرِى مـَا يُطـْرَح على صفحات الأنترنيت، لـِيَتـَحمَل كـُلُ مَنْ يَكـْتـُب حرفـًا مسؤوليته أمام الله، والجميع، والقانون، فتاريخ الشعوب لا يُكـْتـَب بـِأسْماء مستعارة، وخاصة بالنسبة لأخوتِنَا المتواجدين، بالخارج،وهنا اكـْتـَفى، بذلك.
إنّ الردود، والإتصالات التى وردتني، استشفيت منها محاولات الإساءة ليس لشخصى بل لتصفية حسابات سياسية بين بعض الأطراف، تصريحا، وليست تلميحا. ليعلم جميع القـُرَاء الأفاضل أننى لست طرفـًا، فى هذه المناكفات وقد آلـَيْت على نفسي ان تكون كتاباتى خالصة للوطن ومآسيه المزمنة، وكما أنني سأتناول أيضا في حلقات قادمة بعد سلسلة بنغازى، وعبث الكوازى، عن المعارضة الليبية، فى الخارج وخاصة بالمملكة المتحدة، حيث أننى قد عاصرت الكثير من محطاتها منذ صدور العدد الأول من مجلة صوت ليبيا، فى السنوات الاخيرة من السبعينات، فقد كانت مجلة صوت ليبيا المعارضة من أول المجلات الرسمية المنتظمة، فى المملكة المتحدة، وسأروي حكايتين قد تكونا لهما صلة، بما ارغب فى الحديث عنه، فالحكاية الأولى حدثت بعمارة بارك ويست الكائنة بادجوارد رود بلندن، وما ادراكم ما إدجوارد رود!؟ ذلك الشارع الذى يعج بأحداث مثيرة، ومن أجل الحقيقة التى لامفر من ذكرها، دعونا من هذا الآن الى أنْ يحين حينه، وما ذلك ببعيد، وأعود بحضراتكم الى الشقة37 بالدور الثالث من عمارة بارك ويست كنت في ذلك اليوم مع صديقين عزيزين كانت لهما علاقة مباشرة بمجلة صوت ليبيا المُعـَارضة.
كان الصديقان يتحدثان عن صورة الغلاف للعدد المقبل الذى لم أعد اذكر فيما إذا كان العدد الثاني أو الثالث، ولكنني اذكر أثناء تجاذب الحديث، بـِأن سألنى مضيفنا صاحب تلك الشقة عن رأي في موضوع الغلاف اقترحت عليه" مجرد اقتراح" أن يوضع علم الإستقلال المجيد على العدد المقبل، وما أن انتهيت من تقديم إقتراحى، حتى رمـَاني احدهما بنظرة عدوانية شرسة، مِنْ وراء نظارته الطبية السميكة، حينها أحسست أنه يريد إفتراسي فحمدت الله أنني بلندن وبعيد عن الشرق الاوسط الكريه، وبعد رفضه لإقتراحى جملةً وتفصيلاً، تطوع بمنحى موعظة بالمجان، في لعن سلسبيل المملكة الليبية ودستورها وَرَايَتـِهَا، وكذلك مليكها، كان ذلك قبل نهاية السبعينات بعام، او عامين، وعلى العموم هذان الصديقان لازالت تربطنى بهما علاقة جيدة، ولهما التحية، والتقدير، لِما يتمتعان به من شجاعة، ووطنية، حيثما وُجـِدا.
الحكاية الثانية: بعد إستشهاد المرحوم على بوزيد الذى أغتيل بـِخـِسّـة، ودناءة، وغدر"بدكانه" صباح يوم الأحد26 نوفمبر1995 م بمدينة لندن، وسيأتي ذكـْرَه ذات يوم إنْ شاء الله.
يوم تشييع جثمانه الطاهر، شاركت الطبيعة الليبيين احزانهم، هاطلة دموعها الغزيرة، في ذلك اليوم من أيام شهر ديسمبر شديد البرودة، فقد إحتجزت السلطات المختصة جثمان الشهيد، أكثر من عشرة أيام، وهذا الإجراء متبع في المملكة المتحدة، في جرائم القتل وبعد أن أفرج عن جثمان الشهيد، تم الإعداد لدفنه، وقبل صلاة الجنازة، وأثناء إدخال الجثمان الطاهر الى حَرَم مسجد ريجنت بارك، كنت قد لـَفـَفـْت النعش بالراية الشرعية، وأشـْهـِد الله أنـّي قـُمْت بذلك دون إيعـَاز منْ أحد، بعدها بلحظات قليلة جاءني الأستاذ عاشورالشامس مهرولاً، وبعصبية بـَادِيّةٍ على وجهـِه، وأنتزع العلم من فوق النعش، بطريقة فـَظـّـة متعجرفة، وحين استفسرت منه عن السبب قال لي: إنّ عائلة المرحوم لاتـَرْغـَب ذلك، إنصعت لرغبة الأستاذ عاشور الشامس الشاذة، وللحقيقة أننى لم اقتنع، بـِحُجّتِه، ولا بـِمَسْلـَكِه، شهد تلك الحادثة الكثير، ومن بينهم الأستاذ محمود الناكوع، والحاج الصابر مجيد، وكذلك الأستاذ جمعة القماطى، والحاج بشير الرابطي، والعديد من الحضورالذين شاركوا في تشييع جثمان الشهيد علي بوزيد رحمه الله.
ذكرت هاتين الحادثتين، والتى يفصل بينهما حوالى ستة عشر عاما تقريبا، هذا فيما يخص العـَلـَم الدستوري، فالحادثة الأولى كانت فى نهاية السبعينات، والثانية كانت، في نهاية عام95 م. في تلك الفترة كان البوح بالحديث عن الدستور، والعَلـَم الليبي، بمثابة الكـُفـْرُ البواح، كما يعتبر جريمة، في عـُرْف العديد من المعارضين، ويُعـَاقــَب كـُـل ّ منْ يـَتـَطرق، لهذا الموضوع، لعقوبات غير مكتوبة، في لوائح التنظيمات السياسية المعارضة.
بعد إثنتي عشر عاما،من قيام الإنقلاب العسكرى الذى إعتدى على الشرعية الدستورية، في بلادنا، وإنـْصـافـًا، للحق، والتاريخ، فـَإنّ الإتحاد الدستوري هو صاحب الريّادة، في المطالبة على رؤوس الأشهاد، بالعودة للشرعية الدستورية، وهذه شهادة للتاريخ، كما ثـَبـَتـَتْ في أدبيات الإتحاد الدستورى منذ 7 أكتوبر1981 م، وبعد مضيّ ربع قرن من الإجتهادات الخاطئة، للمعارضة الليبية، بالمهجر، والتى أستشهد فيها من أستشهد وَأهدِرت طاقاتها، وأموالها، ووقتها، ثاب اليها رُشـْدِها بعد كـُل ذلك الى الفكرة الصائبة، في مؤتمرها الذى جمع كلّ اطياف المعارضة الليبية، واتفقوا جميعا، لأول مرة على كـَلِمة سواء، وزينت الراية الشرعية قاعة المؤتمر، ونادوا جميعهم، بالعودة الى الشرعية الدستورية! لم يخْرج عن إجْماع الليبيين هذا، سوى فصيل الاخوان المسلمين، الذين إستبدلوا شعار الإسلام هو الحل بشعار "سيف الإسلام هوالحل" لقد تناسوا اخوتنا الأخوان أنّ عصرهم الذهبى كان في عهد دولة الإستقلال المجيد، وعهد الدستور، لم يقمعوا، ولم ينكل بهم في ذلك العهد، ولم يقتل أي فرد منهم طيلة فترة الحكم الدستوري، ولم يطلق عليهم اللقب الذى طالما نعتهم به طاووس سرت المتغطرس الذى اسماهم فى خطبه العلنية" بـِخُوان المسلمين "وحاشاهم، فقد غـَضّ العهد الدستوري الطرف عن نشاطاتهم السرية، والعلنية معـًا، فقد كان احد مشائخهم، فضيلة الشيخ فاتح حواص، وهو من الرعيل الأول أطال الله في عمره، كان هذا الشيخ ينتقد سياسات الحكومة الملكية نقدًا لاذعا جهارا نهارا عبرمكبرات الصوت داخل المسجد، على مرأى، ومسمع الحكومة،وكانت الشوارع القريبة من مسجده تكتظ بالمئات، وتتعطل حركة السيرفي قلب عاصمتنا طرابلس، ولم يتعرض هذا الشيخ لحسيب، او رقيب، ولم يلق مصيرالشهيد صالح النوال احد قيادي حزب التحرير الإسلامي، ولا مصير المغيب الدكتور عمرو النامي، او مصير فضيلة الشيخ الشهيد البشتي، الذى أحْرقت لحيتة، وقتل شرّ قتلة فى احدى غابات طرابلس، كما وضح لنا "فضيلة" مفتي الإصلاح، والمصلحين الجديد سيف عبر شريط تلفزيوني اذاعه التلفزيون الليبي، ولايزال قتلة الشيخ البشتى يسيطرون على اعلى المراتب، والرواتب، ولم يتعرض احدا منهم للمساءلة حتى يومنا هذا، وقبل أن أعود بحضراتكم الى شارع ادريّان بلت لإستكمال ما تجود به الذاكرة، سأنقلكم معى إن أحببتم مُصَاحَبَتـِي الى الحلقة السابعة عشر، لمواصلة حديثي عن الأستاذ محمد القزيرى، وقصة القرصنة الأدبية التى كان قرصانها شيخ الأدباء "الأديب الغريب فى مسلكه" علي مصطفى المصراتى الذى سطى على مسودة كتاب. كان الاستاذ محمد حسين القزيرى قد أعـَدّها عن شاعر درنه ابراهيم الأسطى عمر، في نهاية الخمسينات، كـُنـْت قد ذكـَرْت، في تلك الحلقة أنّ مسودة هذا الكتاب، قد استعارها الأديب القرصان، من الأستاذ أسعد المسعودي الصديق الحميم للأستاذ محمد القزيرى، وبعد نشر تلك الحلقة بعث لي الأستاذ مفتاح الشريف رسالة، في غاية اللطف، والأدب، والكياسة، أعقبها إتصال هاتفي من طرفي، وأثناء الحديث أخبرنـِي الاستاذ مفتاح الشريف، بـِأنه شخصيًاهو الذى أعارمسودة الكِتَاب "لِشيخ الأدباء" في مدينة طرابلس، في أواخر الخمسينات، وليس الأستاذ اسعد المسعودى، كما أوردت خطاً، في تلك الحلقة،وأخبرني في تلك المكالمة، بأنّ العلاقة مابين الاستاذين اسعد، والقزيرى علاقة قديمة، ومتميزة، وقال لي: إنّ هذه المعلومة، أخصك بها ومن باب التصويب ليس إلا فأخبرته بأنني سأصحح هذا الإلتباس الذى، وقعت فيه فألـَحّ عـَليّ بـِأن لا افعل ذلك، فللسيد مفتاح الشريف الذى يحترم شرف الكلمة فائق الإحترام، والتقدير، وفي هذه الأيام تمر الذكرى الثانية لوفاة المرحوم محمد حسين القزيرى، وهنا أود أن اهدى الاستاذ مفتاح الشريف، وأصدقاء القزيرى، آخر ما كـَتبَه الأستاذ وهو على فراش الموت بمستشفى سانت ماري بمنطقة بدنقتون، وقد أعطانى هذه الرسالة الصديق العزيز عبدالكريم عبدالمولى الغيثي الذى تربطه صداقة بالاستاذ، والذى لم يتخل عنه يوماً واحدا منذ ان عرف بوجود الاستاذ بالمستشفى الى أن وافته المنية فى منتصف شهرنوفمبر2007 م. وفيما يلي نص رسالة المرحوم محمد القزيرى:
"الموت في مدار السرطــــــان"
سرطاني المدلل يريد قتلي. ناكر الجميل هذا، بعـْدما غذيته بالتبغ خمسين عامـًا، أصابنى على حين غرة.تسلل خِلـْسة الى النص الأسفل من رئتي اليسرى، وطفق يعبث بها دون رادع. ولا أدرى متى على وجه الضبط.
كل ما أعرفه الآن أنّه يزمع قصف عمرى. فهو أعلن عن نيته الخبيثة بلا مواربة يوم قام بمناورة مفاجئة لكتم أنفاسى. وأنا أريد إيقافه عند حده الى أن أبلغ سن الرّشد على الأقل. فالحقيقة أننى لم أتجاوز السبعين بعد. أعنى أننى مازلت في طيش الشباب، بمقايس هذا العصر، وعندى رغبة جامحة في إرتكاب بعض "الأشياء الجميلة" التى حرمت منها غالبًا لضيق اليد وحدها. وحَيَاتى كلها كانت رديئة عمومـًا، وفارغة، وخالية من أىّ بهجة تستحق الذكر، ومليئة بالحماقات والأخطاء والخيبة. وليس ثمة أى سبب وجيه يدعونى إلى التشبث بها الآن، غير أنها على كل حال خير من الموت. لأنّ هذا الأخير يوقف كل الأشياء مرة واحدة وإلى الأبد كحكم نهائى وحاسم غير قابل للنقض أو للإستناف. وهو يجعل حياة الإنسان بـِأكملها تبدو وكأنها سلسلة قصيرة من الأكاذيب والأوهام والتفاهات والعبث، ولا معنى لها في خاتمة المطاف.
ولكن دعونا من كل هذا الهراء، ولنعد الى حكايتى مع سرطان الرئة الذى يبدو أنه ظل يتربص بى شخصيًا منذ فترة الى أن وافته الفرصة للإغارة على خلايا رئتى البريئة. وقد اكتشفه الطبيب بالصدفة، وربما بعد خراب مالطا! ويقال انه كان قابعا (أعنى السرطان الخبيث وليس الطبيب المختص) في عقب سيجارة استعمله بمثابة حصان طروادة لشن حربه العدوانية من الداخل.وحالما ادركت خطورة الموقف اعترانى الهلع مثل كل الجبناء والابطال ايضا. ولم أجد بدا من السماح لفريق الأطباء والممرضات بشن حرب كيماوية مضادة، رغم انها محرمة دوليـًا، وعلما بأن ميدان القتال هو رئتى البائسة ذاتها. وهكذا تحولت رغم أنفي الى سفاح متآمر لايقل شراسة عن فقيد العروبة صدام حسين.
وهذا كله بفعل السرطان اللئيم. ومع ذلك فمهما يقال عنه، لا مفر من الاعتراف له بفضيلة واحدة على الأقل قد يستحق من أجلها شيئـًا من الإحترام والتقدير. فهو، على خلاف بقية الأمراض الوبيلة الأخرى، مرض ديمقراطى للغاية. لايفرق بين صغير وكبيرأو غنى وفقير أو مغمور وشهير. وكل ما فى الامر أنه يضمر حقدا دفينـًا للمدخنين بصفة خاصة. فلماذا لايتفرغ للفتك بـِأصحاب شركات التبغ، ومحاميها، وخبراء اعلاناتها المغرية؟. انتهى نص رسالة المرحوم الصديق محمد حسين القزيرى.
بين عقب التبغ في المطفأة السوداء، والفكرة
والليل المهيب
قال إن الشمس لا تحفل بالموتى وإن الأغنية
كلما تحبس فى القلب تطيب
آه ما أتـْعس أن يفقد المرء
وجوه الأصدقاء
قال للجلاد في بوابة الجمرك إن السيف
لايصبح قيثارًا وإن الأغنية
كلما تسجن تبدو رائعة
قال واللوعة في عينيه من ذا؟
يعدم العاشق مخنوقـًا بخيط النور في أول بدء المحكمه
وعلى تابوته الأخضر يُلـْقى الياسمين
كلما مات مغنيها على بوابة الجمرك منفيـًا وحيد
وجدت في كل بيت
عاشقـًا يحلم باللحن الجديد.
****
شهرى نوفمبر، وديسمبر، حين يَحل الظلام مصاحبا للصباح، في مدينة لندن، حيث البرد القارص، ووحشة الغربة، وعذاباتها، إعتادت الجالية الليبية، في موسم الأحزان هذا، على فقد الأحـِبة، والصحابا، فقد فقدنا خلال السنوات الماضية، في شهرى نوفمبر، وديسمبر الكئيبين كل هؤلاء الأحبة، الشهيد على بوزيد، والدكتور بشير نشنوش، والحاج محسن عمير، ومحمد العدولي، والحاج مصطفى البركى, ومحمد حسين القزيرى، والدكتور أحمد محمد بوشيحه، فقد ماتوا جميعـًا، في المنافي بعيدا عن الأهـْل، والأحبة، وتركوا لنا أحزانـًا دفينة، فلهم جميعا الرّحمة، والغفران.
يَـالـَها منْ بـِنـْت كلبة
هذه الدنيا اللعينة
هذه الدنيا التى تـُشـْبـِعُنا مَوْتـًا وغـُرْبـة
****
كل عام وكل الغرباء فى منافيهم القـَصْرِيّة، وكل خلق الله الطيبين بخير بمناسبة عيد الأضحى المبارك... لبيك اللهم لبيك.. لبيك لا شريك لك لبيك... إنّ الحمد، والنعمة لك.. لا شريك لك.. لبيك.
إنْ كان في العمر بقية، فللحديث بقية، ودمتم أيها الأحبة بخير.
فتح الله ابزيو
====================
بنغازى وعبث الكوازي (الثامنة عشر) لكل إنسان من إسمه نصيب - فاطمة الشفا فتح الله ابزيو راجع الحلقات السابقة |
|
|
 ولوْ كانَ النـّساءُ كـَمنْ فـَقـَد فَقـَدْنا لـَفـُضّلـَتِ النـّساءُ على الرّجالِ |
أعتذر للقارىء الكريم, في هذه الحلقة عن عدم مواصلة الحديث عن شارع ادريّان بلت, إذ أنّ نبأ وفاة الملكة فاطمة الشفا رأيت فيه مناسبة سانحة, للحديث عن مناقب هذه السيدة الجليلة, وعائلتها الكريمة.
فاطمة الشِفـَا, هيّ الشّـِفا, كـُله, فالحديث عن هذه السيدة الجليلة, فاطمة الشّـفا, ملكة ليبيا الراحلة ملىء, بمشاعر جيّاشة, وأحزان دفينة, أيقظـَها نبأ صعود روحها الطاهرة, الى بارئها راضية مرضية, بمشيئة الله.
رحيل السيدة الجليلة" الشـِفا فاطمة" ذَكـّرَنـَا, وأيْـقـَظ فِـيْنَا كـُل الأمراض, والأوبئة, التى لم نـَشْـفْ منها بعد, والتى إسْتـَوْطنت بلادنا الحبيبة, منذ أنْ غـَادَرت "سيدة الشفا" موطنها, بعـْد السطو المسلح, على دولة المؤسسات الدستورية مـُنـْذ اربعين عاما بالتمام والكمال, برفقة رفيق دربها, زوجها, الملك العادل الزاهد السيد إدريس السنوسي طـَيـّبَ الله ثراه.
إنّ الغالبية العظمى من أبناء الشعب الليبي الذين بلغت أعمارهم سِـنْ الخمسين عاما, اليوم بعد أنْ"رَبْـعَـنَ" الإنقلاب, وبلغ عمره أربعين خريفا, فأطفال ذلك اليوم الذين كان عُمْرهم آنذاك عشرسنوات, أصبحت أعمارهم الان نصف قرن, ومعظم هذه الشريحة العريضة, من ابناء وطننا, لا تعرف إلا اليسيرالنادر"الذى يأتى ولا يأتى" إلا, هَمـْسًا داخل البيوت, والجدران الموصدة, عنْ تاريخ بلادهم, خلال نصف قرن من الزمان, فتاريخ ليبيا الذى أُسْقِط عمدا, بسبب سياسة التعتيم الإعلامي الممنهج, وكذلك المناهج التعلمية في جميع المراحل وإصرار وسائل الإعلام الحكومية, على أنّ التاريخ الليبي يبدأ من يوم1/9/1969 م, وَكـَأنّ بلادنا خـُلـِقـَت من العـَدَم, فقـد أخـْتـَزَلَ عهد سيبتمر, كل العصور والحضارات التى لازالت آثارها على تراب وطننا, بـِدْاً من عصر الليبو, والريبو, الى عهد دولة الإستقلال, والإستقرار, التى, وضعَ لبـَنـَاتـِهـَا الاولى السيد محمد ادريس السنوسي, بحكمته, وطـُهْره, وإخلاصه.
قبل الحديث عن السيرة العطرة, للسيدة فاطمة الشفا, ليسمح لى القارىء الكريم, أن نعود به الى ثلاثينات القرن الثامن عشر, يوم وطأت اقدام جَـدّها الإمام المصلح محمد بن على السنوسي الكبير, برفقة أتباعه, وصحبه الكرام الأراضى الليبية, قادما من الجزائر, في طريقه الى الحجاز لآداء فريضة الحج.
إن جذور السيدة فاطمة الشفا تـَمْتـَدعبرالتاريخ الإسلامي, نسبـًا, وتأصيلاً, فهي’فاطمة الشـِفا بنت احمدالشريف إبن محمد الشريف (بن محمد بن على بن السنوسي, بن العربي بن محمد بن عبدالقادر بن شهيدة بن حم بن يوسف بن عبدالله بن خطاب بن علي بن يحيى بن راشد بن أحمد المُرابط إبنْ منداس بن عبدالقوي بن عبدالرحمن بن يوسف بن زيان بن زين العابدين بن يوسف بن حسن بن ادريس بن سعيد بن يعقوب بن داود بن حمزة بن علي بن عمران بن مولانا ادريس الأزهر"الأصغر" أميرالمسلمين وباني مدينة فاس بن الإمام ادريس الأكبرأول ملوك السادة الادارسة بالمغرب بن عبدالله الكامل بن الحسن المثنى بن الحسن السبط ابن علي بن أبي طالب وفاطمة الزهراء بنت الرسول صلى الله عليه وسلم)[*]. هذا هو نسب الشريفة إبنة الأشراف, فاطمة الشـفاء, لمن لايعرفها, فقد اسلمت روحها الطاهرة يوم3 أكتوبر2009م بالقاهرة, ودفنت بالأراضي المقدسة, بنفس المقبرة التى يرقد فيها سيد الشهداء حمزة بن عبدالمطلب رضي الله عنه وأرضاه, وهنا اقتبس حرفيـًا بعض ماجاء في رسالة تعزية فى السيدة فاطمة الشـفـا من الدكتور السيد محمود تارسين, وكذلك حرمه الدكتورة السيدة فوزية بريون تقول التعزية:
((الشريفة فاطمة من الأرومة الصالحة, من الأسرة السنوسية المعروفة, بالعلم, والفضل, والأدب الموصول بشجرة النسب النبوي الكريم, والتى شكلت تاريخ ليبيا المعاصر, مُـنْذ القرن الثامن عشر, وملأت صفحاته دعوة, وإصلاحـًا, وعلمـًا, وجِهادا.. وهى من المُسْـلِمَات المُمَيزات اللاتى مَـنّ الله عَـلـَيْهن’بالعناية, بالعلم الديني, حيْث عرفت بـِـإتصالها بـِأعلى سند, في إجازة أذكار كـِتَاب دلائل الخيرات المعروف بشوارق الأنوار, في ذكرالصلاة على النبي المختار, للإمام الجزولي رحمه الله, وقد أجازت به, بدورها عددًا من العلماء, وطلـَبة العلم المعاصرين الذين سعوا إليها من مختلف بقاع الأرض. عاشت الشريفة فاطمة في منفاها, بـِأرض الكنانة طوال العقود الأربعة الماضية غيرعابئة’بـِما جردها منه إنقلاب سبتمبر, من متاع الغرورالذى لم يضف إلى سجاياها الإنسانية, وأصلها الشريف, وخلقها الرفيع شيئـًا, كما لم يستطع أن ينقص منها شيئــًا)).
فللدكتورالسيد محمود تارسين, والدكتورة الشاعرة السيدة فوزية بريون جزيل الشكر, والعرفان على رسالة التعزية لما تضمنته من معلومات لم نكن على دراية بها من قبل, مثل إجازتها لعدد من طلبة العلم.
عندما وصل الإمام المصلح السيد محمد بن علي السنوسي, الى ليبيا, التى كانت تابعة للإمبراطورية العثمانية, والتى قد بدأ السـُوْس ينخرمفاصلها, ممّا أثرعلى كل الولايات التابعة لها, وفى هذه الفترة, أُطـْلِق على هذه الدولة, رَجـُل أوروبا المريض. لاحظ الإمام محمد بن علي السنوسى, بـِأم عـَيـْنِه, حالة التردى, والجهل المتفشي بين سكان ليبيا, وخاصة, ولاية برقة, التى كانت حالتها أقرب من عصر الجاهلية الى الإسلام, كما جاءت في كتب المؤرخين, والرواة, فقد أسقط غالبية سكان برقة معظم القواعد الأساسية التى بـُنـِيّ عليها الإسلام, بسبب الجهل, وعُزْلـَتهم, في مواقعهم, وها هي بعض الأمثلة أسوقها اليكم عن تلك الفترة المظلمة.
إعْتـَاد سكان الأودية, والجبال حين يقترب شهر الصيّـام على الصعود على قمم الجبال, التى تـَشقها الوديان والكهوف, ويختاروا أصحاب الأصوات الجهوريّة, ويصيحون بصوت واحد "ياوادى... زازازا.. إنـْصِيْموا وإلا.. لا" فـَيـَأتـى رَجْـعُ الصدى لا.. لا.. لا, ثم يعودون الى نـُجـُوْعِهم ليـُخْـبـِروا الجمع بما أفـْتـَى لهم الوادى, بإعفائهم من الصيام, في هذا الشهر.
كانت هناك مناطق أخرى إبْـتـَدعت طريقة مختلفه لأداء فريضة الصيام, كما جاءت على لـِسَان الرواة المُسِنِيّن الليبيين تقول هذه الرواية: تـَجْمَع بعض القبائل ثلاثين شابا مـِنْ ذوي الـْبـُنْيَةِ القويّة, وتـُكـَلِف كـُلّ واحدا منهم بصيام يوما واحدا, وعِندما ينتهى الشهر, يكون نصيب كل شاب صيام يوما واحدا, وهكذا تـَسـْقـُط عنهم فريضة الصيام. أمّا بالنسبة لفريضة الحج, فقد داربـِخـُلد أسلافـِنا في تلك المناطق فكرة لاتدور برأس أبـْـليس ذاته, فكانت نظريتهم تقول, لماذا نتكبد عناء, ومشاق السفر الى بلاد الحجاز؟ حيث الرمضاء والقيظ, وعندنا الجبال والغابات الـْوَارفة, والطقس المعتدل, فلماذا لانبنى فى اوديتنا وجبالنا"كعبة" نـَطـُوف حولها هنا فى موطننا؟ ونتجنب, وعـْثـَاءالسفر.
كـُل هذه الخزغبلات, والبدع شاهدها, وسمع بها, جـَدْ السيدة فاطمة الشفا, ذلك الرجل الصالح, وتركت في نفسه أحزاناً جَمَة أثقلت كـَاهِله, فـَغـَيرت مسيرة حياته, وهو العـَالِمْ, المـُجَدِدْ.
إتـَفـَق َالإمام محمد بن على مع أتباعه الذين رافقوه من بلاد الجزائر الى الحجاز أن يكملوا مسيرهم لأداء مناسك الحج بعد أن رَأوا حالة المسلمين المزرية فى إقليم برقة, وعاهدهم إن أطال الله فى عمره بأن يعود, ويستقر ببرقة, لنشر تعاليم الدين الإسلامي من جديد فى هذه البلاد, وتصحيح عقائد سكانها ممّا لحق بها من خرافات ما أنزل الله بها من سلطان.
مكث السيد محمد بن علي السنوسي, بالحجاز عدة سنوات, ولم يكن حاجـًا تقليديًا, بل كان أحد أعلام, وأئمة ذلك العصر, كما تقول سيرته الذاتية, فى جميع كتب, ومراجع التاريخ, ويؤكِد ذلك واقع الحال فى ليبيا... رجع الإمام الى برقة, وشرع, في بناء مشروعه الإصلاحي التربوي بإنشاءالزوايا السنوسية, التى تحولت خلال سنوات معدودة الى منارات عِلـْم, وإلتفت حوله قبائل برقة بـِبـَادِيتـِها, وحَـضَرها, لعلمه الغزير, وأدبه الجم, وتواضعه, ونـَسـَبـِهِ الشريف.
لم يكن إقليم برقة الذى استقبل الإمام فقط استقبل بعد وصوله الى ليبيا, فكانت طرابلس محطته الأولى. حيث كان في إستقباله أعيان, وعلماء طرابلس الأجِلاء, ومكث هناك فترة زمنية, وذاع صيته هناك الى ان غادر طرابلس, برفقة أتباعه, وعدد كبير من وجهاء طرابلس, رافقوه الى مدينة مصراته, ثم الى مدينة سرت, وهناك وجد الكثير من وجهاء, وعلماء فزان, فى إستقباله.لم يقتصر, دورالحركة السنوسية التى أنشأها السيد محمدبن على السنوسي, على التعليم الدينى فقط, بلْ تعداه الى وأدْ الفتن بين القبائل التى كانت تتقاتل فيما بينها, على اتفه الأسباب, فقد نشر الوئام, والمحبة بين القبائل, واصبح يـُطـْلق عليهم جميعا لقب "الأخوان" كان لقـب الإخوان يطلق على كـُـل ّمن بـَايَـع الامام, وقد حمل كل ّ أتباع الحركة السنوسية هذا اللقب, قبل أن يحمله حزب إخوان المسلمين الذى أسسه المرحوم حسن البنا رحمه الله, بقرابة قــَرْن, وَنـَصْـف من الزمن.
سنوات قليلة, وانتشرت الزوايا السنوسية خارج ليبيا, لنقائها, وأفعالها الحميدة, فأنشأت الزوايا السنوسية فى تشاد, والنيجر.ونيجيريا, ومالي, والسودان, ومصر, بل إمْتـَدت الزوايا السنوسية, حتى وصلت الى الحجاز, في عنفوان دعوة محمد بن عبدالوهاب رحمه الله, لم يكن السيد محمد بن على السنوسي, في ذلك الوقت يملك دولارات, وبراميل نفط, لنشر نظريته النقيّة التقيّة, فى القارة الإفريقية.
بعد أن إشـْتـَد عـُوْد الحركة السنوسية, إلـْتـَفـَتـَتْ الى الفريضة الغائبة "الجهاد", وتحالفت مع الحركة المهدية في السودان, وخاضت معارك عنيفة ضد المستعمر الأجنبي في السودان, ولم تتوقف عند هذا الحد بل حاربت المستعمر الفرنسى فى تشاد, والنيجر.هذا غـَيـْض من فيض عن السيد الكبير محمد بن علي السنوسي جـَدُ السيدة الجليلة فاطمة الشفاء, بنت السيد أحمد الشريف, وماأدراكم ما أحمد الشريف, وزوجة السيد محمد ادريس السنوسي رحمهم الله جميعا, وأحسن إليهم يوم لـِقـَاه.
تاريخ طويل مجيد ملىء بالعزة والشموخ والصبر, والمكابدة شيّده السنوسيون الأكارم قرابة قرن, ونصف من الزمان برؤية الإمام, وأبنائه, وأحفاده الكرام, وأبناء ليبيا المخلصين, يـَضـِيعُ, بـِجَـرّة قلم من غشوم حاقد, لم يَـنْـجَ منه الأموات, والأحياء, فقد نـُبـِشَ قبر هذا المصلح الكبير, ولا أحدا يعرف من الكميونات الشعبية اين وضُعَت رفاته الطاهرة, إلا نـَبـَاش القبوربذاته؟. عجيب أمرك أيتها الجماهيرية التى, (يحْكمها الشعب بنفسه, ويقرر سياساته بنفسه) فهل سُئِل سيد الجميع, وأخِذ رأيه في نبش ضريح إمـَامـِه؟ الذى لولا فضل الله وفضل هذا المصلح, لأصبحت برقة ربما مثل جنوب السودان وثنية, فالنـَوايا السيئة, ضد هذا المصلح بدأت منذ بداية سيبتمبر, فـَقـْد شـُطِب إسم جامعة إسلامية كانت منارةعلمية, بمدينة البيضاء تحمل إسمه الكريم, أهكذايـُكـَرّم الرجال العظام, بجماهيرية كلّ النّاس!؟, ومن المضحكات المبكيات أن يطلق إسـْـم سفاح لـئيم, أذاق أبناء بنغازى, كـُلّ أنواع الهـَوَان, والمذلة على مكتبة عامة فى اكبر شارع فى هذه المدينة, فماذا حدث لبلادنا ياخلـْق الله؟ ويـُطـْمَس اسم الامام محمد بن على السنوسى, واحمد الشريف, وادريس السنوسي, رضي الله عنهم جميعا, وهل بربكم يصح أن يستبدل الذى هو خير بالذى هو ادنى؟ فـَيُـكـَرم, أحمد مصباح الورفلي ذلك العـُتـِلُّ الزَنـِيم, وَهـَل يستطيع أحد أن يتجرأ في جماهيرية العجائب على إرتكـَاب كـُلّ هذه الموبقات؟ إلا أن يكون مجردا من هـِمـَم الرّجال, وخـِصالهم"ورزيلاً" إبْنْ"رزالا" نعود بحضراتكم, والعَوْد أحْمَد, لسيرة بنت المجاهد أحمد, السيدة الجليلة فاطمة الشفا. التى غادرت, بعد عمر مديد’هذه الدنيا الفانية الى ربّ كريم عادل. مـَالِكَ الـْمُـلـْـك السَرْمـَدي.

رافقت السيدة فاطمة الشفا, السيد ادريس السنوسي, كزوجة مخلصة, وَفـِيّة, في منفاه الاول بأرض الكنانة, كزعيم سياسي, كان هَمه الأول, وشغله الشاغل إستقلال, وتحرير بلاده من قبضة الفاشيست القساة, كانت السيدة الجليلة فاطمة الشفا, الزيت الذى يُنِيْرَ نِبْراسه’في دربه الطويل, الملىء (بفخاخ على طول الطريق), لم تفارق السيدة فاطمة الشفا, ولم تتخل عنه, منذ أن اقترن بها السيد ادريس عام 1930م, فقد عاشت معه كـُلّ الصعاب دون ملل, أو كَـلـَل.
ذات يوم تعرضت السيدة فاطمة الشفا, لإبتلاء شديد, يومها كانت ملكة المملكة الليبية المتحدة, كما ينص الدستور, الذى مُزق وَرُمِيّ, وداسته أحذية الرجال الجُوف فيما بعد, فالبلاء الذى أصاب هذه السيدة الكريمة, كـَـان يوم5 أكتوبر1954م, ففِـى هذا اليوم تم إغتيال السيد ابراهيم الشلحي ناظر الخاصة الملكية أمام مجلس الوزراء.
كان القتيل اقرب موظفي الدولة الليبية الى السيد إدريس ملك البلاد, وكان القاتل شابًا يافعـًا إبْنَ عم السيد ادريس, وكـَذلك إبْن أخْ الملكة فاطمة, والقاتل هـُو الشاب الشريف محي الدين السنوسي, هـَزّت هذه الجريمة السياسية الدولة, وكانت اختبارا صعبًا لهذه الدولة الوليدة, قــُدِّم المتهم الى محكمة مدنية, وأصدرت حكما بإعدامه, وأحِيْـلَ حُكـْم المحكمة الى ملك البلاد, حيث أن صلاحياته الدستورية تـُجِيْز له تخْـفِيف العقوبة لكِنّـه آثر تطبيق شرع الله, وصَدّق على حُكـْم الإعدام بحق احد أبناء عائلته, ونفذ الحكم بإعدام الشريف محي الدين, في السجن القديم المجاور لمقبرة سيدى إخريبيش الملاصق للمنارة على شاطىء الشابي, في مدينة بنغازى, وكان أول وآخر تنفيذ حُكـْم إعدام يتعرض له مواطن ليبي, في قضيّة سياسية طيلة العهد الملكى.
أيّ عدل هذا يا ملك الملوك الصالحين؟, وأيّ صبرعلى المكاره تـَجَـلـّـدت به بنت الأكـَارم, فاطمة الشفا؟ عندما يُـصَدّق زوجها ملك البلاد, على حـُكـْم المحكمة, بإعدام إبن شقيقها. ماسمعنا بهذه العدالة سوى عدالة عمربن الخطاب, والخلافة الراشدة. لو حدث ما حدث لأحد اقارب الاسرة الحاكمة اليوم, وقـَتـَل احد افرادها احد المواطنين, فلربما يعاقب بإبعـَادِه خارج الوطن فى احدى العواصم الغربية, لمدة قصيرة, ثم يعود ويتبوأ أرفع المناصب الأمنية أو الوزارية, لـِيُوَاصِل بعدها قتل المواطنين, ونهب الأموال العامة, كـَمُكافأة له, لأنّ أبناء القادة, والذّوات تجرى في عروقهم الدماء الزرْقـاء, ويعرف أبناء ليبياالان الكثير من حكايات, وجرائم تقشعر لها الابدان مورست بحق ابنائهم, ظلما, وعدوانًا, لم نسمع حتى هذه الساعة, أن دولة الجماهيرعاقبت أى مجرم إعتدى على أي مواطن, وهنا لا أقوم بمقارنة بين العهدين, لكِنها مجرد خواطر ألِيمة, كـَانت حبيْسة, فى داخلي أوقدها إنطفاء شمعة بنت الاكارم سيدتي الجليلة فاطمة الشفا, في منفاها بعد ان طردت من الأرض التى سَـقـَاها أهلها الكرام علما, وجهادا, وحكما عادلاً. فماذا بعد ذلك؟
المقارنة بين العهدبن, كـَمَن يقارن بين الثـَّرَى, وَالثـُريـّا, بعد الإنقلاب عادت السيدة فاطمة الشفا مرة ثانية الى منفاها الأول, بمصر, وهذه المرة عادت على ظهر سفينة وليس على ظهر بعير, كالمرة الأولى, يوم ضيّـق الفاشيست الطليان الخناق على رجال عائلتها, وأتباعهم, فى منطقة الكفرة, والجغبوب, يوم نفيها الأول كانت فتاة فى مقتبل العمر, اما يوم طردها الثانى من بلادها, على أيدى أبناء بلادها من صغار ضباط الجيش الذى أسسه زوجها’في منفاه الأول, بمصر, وتحالف مع قوات الحلفاء, وحقق بهذا التحالف الغير متكافئ إستقلال بلاده, بحنكته وصدق نواياه, في نفيها الثاني تجاوزت السيدة فاطمة الشفاالعقد السادس من عمرها, واصدرت محكمة الشعب حُكـْمـًا غيابيـًا سبع سنوات, وَكأن هذا الحكم الجائربحق هذه السيدة الجليلة, أنها ارتكبت الجرائم وتـَعـَلـقـَت بأقدام أبناء الشعب الليبي, على اعواد المشانق فى المدن الرياضية, والمدن الجامعية كما فعلت هدى فتحى بن عامر, التى كافأتها الدولة الليبية.برئاسة البرلمانات العربية, "فـَحَـشَـاكِ" يابنت الأكارم, لم يسمع, ولم ير مِنْـك ابناء ليبيا إلا الخير, والصيت الطيب, رغم عمرك المديد الذى إقترب من مئة عام, امّا مؤسس دولة الإستقلال المجيد, فقد حُكِم عليه, بالإعدام غيابيـًا, ولم تسقط عنهما تلك الأحكام الجائرة, ولو بالتقادم, مِمّا يؤكد أن قانون المحاكم الإستثنائية في بلادنا لايزال على قيد الحياة, ويُطبَقْ كـُـلــّما احتاجت لهُ الدولة. فــَأيّ لعنة أحلــّتْ بهذا الوطن؟ ولماذا كـُلّ هذا؟
يقول الحاج محمد هدية, وهو من ابناء مدينة مصراته, ويقيم بمدينة طبرق, ويعمل في مجال المقاولات العامة وكان يقوم بأعمال الصيانة سنويٍا, لقصر الملك, في مدينة طبرق, أنـّه في احد الايام من شهر أغسطس, حين كان الحاج محمد هدية يشرف على عماله, لصيانة خارج القصر, وكان ذلك اليوم شديد الحرارة, نظر السيد ادريس من شرفة مكتبه إلى العمال, وكانوا ثمانية عمال, وجميعهم, من مصر, هنا سمع المقاول صوت ينادي, من أعلى الشرفه"ياسى محمد"نظر الحاج محمد هدية الى أعلى فوجد أن الذى يناديه هو السيد ادريس, ردّ الحاج على الملك نعـَمْ يا مولاى, فأمره الملك بالصعود اليه, ما ان صعد الحاج محمد هدية الى المكان, حتى بادره السيد ادريس, آلا تخشى الله في عمالك؟, يوم كهذا درجة حرارته مرتفعة جدا, وعـُمّالك تحت لهيب هذه الحرارة, فردّ الحاج محمد هدية على الملك بقوله: أريد يا مولاى ان أكمل العمل فى الموعد المحدد, ردّ السيد ادريس بأدبه وخُلـْقِه الرفيع "ياسى محمد الدنيا موش طايْـره" وأدعوا عُمـّالـَك الى الدخول الى البيت حيث أنه, قد حان وقت" الغدا, وسنتغدا مَـعـًا", لم يصدقوا العمال المصريين عندما جمعتهم جلسة, و"قـَصْعـَة, واحدة مع السيد ادريس السنوسي, ملك المملكة الليبية, حيث أنهم قادمون من بلد مجاور, ويحكمه مجلس قيادة ثورة, وضباط احرار. هذه هى أخلاق السيد ادريس السنوسي.ملك ليبيا, وزوج السيدة فاطمة الشفا.
ربما تتخيل الشريحة العظمى من ابناء بلادنا, والتى, لم تعاصرإلا عهد الجماهيرية, ولم تعاصرعهد الإستقلال المجيد, قصرالملك تعتقد أنه قصرمُنِيّف وفاخر, وحتى نـُقـَرِبـَكـُم من الصورة, وبـِأمانة, فإن قصر الملك الذى كان يتخذه سكنا له, بمدينة طبرق, عبارة عن بيت حديث بعض الشىء, ولا شىء يميزه سوى سُوْر يلفه, ويقف أمامه عسكريان من البوليس فقط, وهذا يعرفه جميع سكان مدينة طبرق, وكذلك يعرفه كلّ الليبيّن الذين عبروا الطريق الساحلي بإتجاه مصر, وما أكثر العابرين الى مصر فى تلك الايام, وهذا البيت الذى يطلق عليه جزافا إسم " القصر"موقعه على الطريق الرئيسي, ولم يكن مُخْتـَبِئـًا داخل ثكنة أوقلعة عسكرية, فبِإستطاعة أيّ مواطنـًا أنْ يطرُقَ الباب, ويقابل ذلك المواطن الجليل الذى يَـقـْطن, بـِداخِله, ويَحْمِل لقب ملك البلاد, بكل يُسْر.
إنّ القصور, والمبانى الفخمة, والموغلة, في"الـْفـَخْفـَة" ترونها اليوم بأعينكم, واضحة, وضوح الشمس, كالتى يمتلكها سُرَاق المال العام اليوم, وكذلك القتلة المأجورون, والمرتشون, والكثيرمن أصحاب شهادات الدكتوراه الذين يطبلون للزيف, والذين باعوا ضمائرهم, من أجل متاعٍ زائلا لامحالة . فقد شاهد الكثير, منّ المشاهدين, القصور بمعناها الحقيقى, على شاشة الجزيرة مِثـْل قصر عبدالرحمن شلقم, الذى كان يومها وزيرا للخارجية الليبية, غير أنّنا لم نتمكن من رؤية القصر كله, وماخُفي عن الكاميرا كان أعظم .فقد سمح لمصور تلك المقابلة أنْ يتجوّل بنا عبر الكاميرا, في حديقة ذلك القصرالمُنيف , والذى يضُم داخل جدرانه حديقة مليئة بجميع الحيوانات, وطيور النعام, والكثير من الطيورالنادرة, هذه الحديقة لاتوجد مثيلاتها فى عاصمتنا طرابلس, كحديقة عامة, يقضى فيها أبناء طرابلس, بعض الاوقات, كما هو موجود فى كلّ مدن العالم, وعواصمها, بالذات.
لم يعش السيد الجليل ادريس, وحرمه الكريمة" سيدة الشفاء فاطمة", حياة البذخ, والإستهتار, بالمال العام, لافي منفاهم الاول, ولاعندما بايعه الشعب الليبي مَلِكاً للبلاد, ولا في منفاهم الثاني والأخير, بالقاهرة, بعد الإنقلاب.
يعلم جميع أصحاب الضمائر الحيّة, ومن عاصروا ذلك العصر الذهبي, من الحكم الرشيد للسيد ادريس, - وهنا لا أخاطب المأجورين, والمغفلين, ولا أصحاب المصلحة الحقيقية, في نهب, وسرقة اموال الشعب الليبي - إنّ يوم الإنقلاب عام1969م كانت ليبيا من الدول المصدرة للنفط, وإنّ كل قرش دخل الي خزينة بنك ليبيا المركزى من ايراد النفط سجل وَدُوّن بالسجلات الرسمية للدولة, وكل هذه الاموال لم تكن تحت تصرف الملك, ولا وزرائه, وكانت تِلـْـك الأموال, في ذلك العهد لا تقارن بضخامة أموال العقود الأربعة الماضية, ومع ذلك, فقد صرفت تلك الأموال من أجل المواطن الليبي, بدون دعاية, وصخب إعلامي رخيص, فقد تم انشاء جامعات حديثة, ومدن رياضية, وشُقّ طريق ساحلي, من الحدود التونسية, الى الحدود المصرية, كـَما تم إنشاء جسر وادي الكوف الذى كان فى وقته من العجائب الهندسية, كذلك تم انشاء العديد من المدارس, والمعاهد, في جميع مدن ليبيا بلا إستثناء, وتم إفتتاح معرض طرابلس الدولى وكذلك تم الشروع فى مشروع ادريس للإسكان, وأيْضـًا تم بناء مدينة المرج, بطريقة عصرية, بعد أن هدمها الزلزال الشهير, في أحد شهور رمضان, في النصف الاول من الستينات, وتم إرسال الكثير من الطلبة لأرقى جامعات العالم المتقدمة, في جميع التخصصات, كل هذه الإنـْجازات العملاقة شيّدت خلال عشرسنوات, فقط, فكلّ هذه المشاريع الضخمة, تم إنشائها, بما تيسر, من إيرادات النفط الليبي, وبحكمة, وأمانة السيد ادريس السنوسي, الذى لم يستغل وظيفته, التى كلفه بها دستور البلاد.
كان السيد ادريس يعيش على مرتبه الشهرى المتواضع, لم تمتد يده الطاهرة, الى الأموال العامة, وهو ملك لدولة نفطية, وكذلك زوجته الكريمة الملكة فاطمة الشفا, فقد كانت حياتهما, ومعيشتهما زهد, وتقشف, وكانا بعيدان بعد السماء عن الأرض عن المال العام, والإستمتاع به, فكانت الاموال العامة للدولة, بالنسبة لهما خطا أحمرا قولاً, وفعلاً, ومُـمارسة, مخافة لله, وكان يطبقان الآية الكريمة"ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل"هذه الآية الكريمة التى وضُعـَت بعد الإنقلاب على العُمْلة الرسميّة, فيما بعد, وأصبحت الأموال العامة, تـُسْرق, وتهرب خارج الحدود, وتـُؤكل, بالباطل على رؤوس الأشهاد, وجميعنا, بدون إستثناء نشاهد النهب, في مشاريع وهمية لتمرير السرقات, والرشاوى, وكذلك البذخ الفاحِش, الذى يمارسه ملك الملوك, واسرته"الكريمة", وخاصة بعض أولاده الأشقياء, ومن سلك دربهم, من الأقارب, وبعض أبناء عمومتهم, والمنافقين, و"اللقـَاقـَة", ولا أحد منـّا يقول لهم كفاية, و"خـَلاصْ" يكفيكم, ما نهبتموه, عبر كل هذه السنوات, إنّ هذه الأموال التى تبعثرونها ليست إرثـًا ورثتموه, من أجدادكم, أو والدكم, إنها أموال الأمة الليبية, بكاملها التى تـُعـَانى الفقر, والبؤس, والحرمان, وما يحزن أننا نعلم ما وصلت اليه حالة وطننا وأصبحنا نتعامل جميعـًا مع بلادنا, وكأننا نتعامل, مع شقة مفروشة, مستأجرة, بإحدى دول الجوار, فالواجب يُـحَتِم علينا جميعا, أن نصْرخ صرخة عاليةً رجالا, ونساءاً لنقول بوضوح, وبلا مواربة لكل اللصوص, وأثرياء (الواغمة) تأدبوا, وخذوا العِبْرَة من عفة يد السيد ادريس, وزوجته السيدة المبجلة فاطمة الشفا عليهما رضوان الله.
مباشرةً بعد الإنقلاب بعث السيد دي كاندول وحرمه, رسالتين الى الملك ادريس, والملكة فاطمة, فى العشرة أيام الأولى من الانقلاب ولم ترد عليه الملكة فاطمة إلا في اليوم 13 سبتمبر69م وهذه بعض الفقرات من تلك الرسالة.
تقول الملكة فاطمة في رسالتها للسيد دي كاندول وحرمه" إنّـنا لم نتمكن من الرّد على برقياتكما, ورسائلكما, لأنـّنا وجدنا أنفسنا وحيدين, أنا وزوجي, لـَمـّا حدث الإنقلاب. ولم تكن عندنا نقود إطلاقـاً حتى خـَفـّت الحكومة التركية لمساعدتنا, فسددت حساب الفندق, ودَبـَرت أمر رحلتنا الى اليونان".يُعـَقِب السيد دي كاندول عن الأخبار التى رددتها الصحف المصرية, والإنجليزية أيضا عن ملايين الجنيهات المودعة فى مصارف أجنبية كانت كلها كاذبة ملفقة من أساسها. ومنها مثلاً أنّ مراسل جريدة التايمز فى أنقرة أشار الى"مصادر" (زَعمت أن الملك كان قد أودع خمسين مليون دولار في خزنة الفندق الذى نزل به في اليونان. وأنا أعرف شخصيـًا وبالتأكيد أنّ الملك والملكة لم تكن لهما أموال في أيّ مكان من العالم سوى الحساب المتواضع الذى كان يحتفظان به في مصرف طبرق لإيداع المخصصات الملكية الزهيدة المقدمة من الحكومة. وهما لم يخرجا من ليبيا بأي شىء ما عدا حقائب السفر, كما أنّ ملابسهما وأمتعتهما الشخصية التى تركها بمنزلهما في طبرق نهبتها الطغمة العسكرية فور الإنقلاب). هذه الفقرة من كتاب بعنوان الملك ادريس عاهل ليبيا حياته وعصره للسيد دي كاندول في الصفحة 141 والصفحة 142 ومما جاء في رسالة الملكة فاطمة للسيد دي كاندول, وزوجته التالى (وقبل أن أنهي رسالتي أحب أن أقول اننا نحمد الله على أنّ تيجان الملكية لم تبهرنا قط, ولا نشعر بالأسف لفقدها. فنحن كنا دائما نعيش حياة متواضعة, ولم يغب عن أذهاننا مثل هذا اليوم. كما نحمد الله كثيرا على أننا لا نملك مليما واحدا في أي مصرف حتى يشغل بالنا المال. ولم نغير أبدا معاملتنا لأصدقائنا, وهي لن تتغير مع الأيام). هذا الكلام للراحلة الكريمة السيدة فاطمة الشفا من نفس المصدر صفحة153 والصفحة رقم154.
إنّ ما أنفقته العائلة السنوسية مجتمعة من مالٍ, كنفقات خاصة منذ أن وطأت اقدام المصلح السيد محمد بن على السنوسي التراب الليبي فى القرن الثامن عشر, حتى عام1969م يوم الإنقلاب على دولة الدستور, والقانون, لايبلغ في مُجْمَلـهِ ما أنفقه نجل ملك الملوك على النوادى الإيطالية, ويخوت الفسق, والمجون, في شهر واحد.
وَأنـْطـَقـَتِ الدّراهم بَعـْدَ صَمـْتٍ أُناسـاً بـَعـْدَمَــا كانـُوا سـُكـُوتاً
فـَما عـَطـَـفـُوا على أحَدٍ بِفـَـضْلٍ وَلاَ عـَرَفـُوا لِمـَكـْرَمَة ثـُبُوتـًــا[2]
 الملك الراحل إدريس الأول يصل اليونان يوم 4 سبتمبر 1969 King Idris 1 arrives at Kamena Vourla, Greece, 4 Sept. 1969 |
يوم 4 سبتمبر69 م وصل السيد ادريس, والسيدة فاطمة الشفا, على ظهر سفينة وحيدين الى بلاد اليونان لايحملان معهما من حطام الدنيا الفاني شيئـًا ذا قـِيْمة, وأثمان, وربما كان يَغـْمُـرْهما شعورا إمتزج بالأحزان, والخذلان, من جَيْش, وشعب رَدّ جميل الإحسان, بالنـُـكـْرَان, والعِصْيَان. وهناك بـِمَهْد الحضارة الإنسانية, إستقبل أحفاد سقراط, وأرسطو الملك ادريس, والملكة فاطمة الشفا, بما يَليْق, بمقامهما الرفيع.
تقول السيدة الجليلة فاطمة الشفا, في رسالتها المؤرخة, في 26 اكتوبر69 م للسيد دي كاندول, وزوجته. (ان الملك, بعد إمـْعان التفكير قرر الإقامة, في مصر, ومضت تقول: ان الجو بارد هنا. وقريبـًا يَحِل شهر رمضان, ونحن لا يسعنا أنْ نصوم في أيّ بلد أوروبي. فـَلـْتـكـُنْ مـَشِيئة الله لخير الجميع. وسَوْفَ نـُبْحِـر الى الإسكندرية يوم الجمعة القادم, ونصل للقاهرة في نفس اليوم). صفحة142 من نفس المصدر كِتـَاب الملك ادريس عاهل ليبيا, حياته, وعصره, للسيد دي كاندول الذى قام بنشره وتوزيعه السيد محمد بن غلبون عام 89م.
حط السيد ادريس, والسيدة فاطمة الشفا, وإبنتهما بالتبني سُلـَيْمـَة, عصا التِـرْحـَال, بـِحَي الدقي بالقاهرة يوم3 نوفمبر69م وأصبحوا في شبه عـُزلة تامة, وتحت مراقبة أعين الإستخبارات, في هذا الوقت كان السيد نافع العربي السنوسي يدرس بجامعة القاهرة, فالسيد نافع إبن عم السيد ادريس, وفى نفس الوقت إبن أخ السيدة فاطمة الشفا, أي أنّ السيدة فاطمة الشفا عـَمّـته شقيقة والده السيد العربي, وبـِنخْوته, وشعوره, بالواجب تجاه أهله إخترق حواجز الخوف, وبدأ يتصل بالدوائر الأمنية آنذاك, استمر في البحث لم تفتر همته, ولم ييْـأس الى أنْ إهْتـَدى إليهما, بعد عدة أسابيع, من وصولهما الى القاهرة. كان السيد نافع أول مواطن ليبي يطرق باب بيتهما منذ 1 سبتمبر69م, وأصبح يتردد عليهما يوميا يؤنسهما في منفاهم الجديد القديم, إستمر على هذا المنوال لمدة أسابيع قليلة, ثم فاتـَحْهُما, بـِأنـّه يرْغـَبْ في أنْ يَنـْتـَقِل الى السكن معهما, لـِيَتـَفـَرغَ لـِخِدْمتهما, بالكـَاملْ, فقالوا له إنّ وجودك معنا سـَيُرْهِقك, ويسبب لك الكثير من المتاعب, وستطول غربتك معنا, رَدّ هذا السيد النافع, لاتقلقوا عليّ من هذه العواقب, وكان لـِسان حال"النّافـِعْ" يقول سأبقى معكم إلى أنْ يقضي الله أمرا كانَ مفعولاً.
إنتقل سليل الصالحين السيد نافع الى بيت السيد ادريس, والسيدة فاطمة الشفا, وكان إبنـًا, وخادمـًا لهما, وبعد قرابة عشر سنوات من وجوده, معهما فـَاتـَحَ سَيّـده, وسَيّدتـِه, بـِرغـْبَـتِه, بالذهاب الى ليبيا ليتزوج من فتاة ليبية وليس له شرط إلا أن تعيش معه فى القاهرة لتحافظ على خدمة عـَمِه, وعـَمّته, ما أنْ أنـْهى السيد نافع كلامه, حتى بادره السيد ادريس بقوله (يانافع لا تذهب الى هناك من أجل الزواج فإنّ زوجتك ستأتيك الى هنا إن شاء الله) رَدّ السيد نافع قائلا: (سَمـْعـًا وطاعـَةً يا سـِيْدِي).
النِّصْف الثاني من السبعينات, ساءت الحياة, في ليبيا, ولأول مرة منذ عهد الإستقلال يرى الشعب الليبي أبنائه معلقين على اعواد المشانق, في الميادين العامة, وتم إعدام العديد من ضباط الجيش, في معظم معسكرات الجيش, أمام زملائهم, وأصبح التلفزيون الليبى يبث تلك المشاهد المُـرَوّعة, لإرهاب كـُل النّاس, وغـَصّتْ السجون, ومعسكرات الإعتقال بالآلاف, من أبناء الوطن, كذلك فـُقِدَ المئات من الجنود, والضباط للدفاع عن (الشاويش الطباخ) عيدي أمين دادا ذلك المجرم المعتوه, الذى رَقـّى نفسه بنفسه الى رتبة مارشال, وأصبح حاكماً مطلقـًا على الشعب الأوغندي البائس, أيضـًا تمت مصادرات ممتلكات الناس, وأغلقت المتاجر وَحلّ مكانها الجمعيات التعاونية الحكومية, التى سرقها اللصوص الثوريون, وبدأ تطبيق مقولة "البيت لساكنه" تلك المقولة التى خرّبـَت بيوت غالبية أبناء ليبيا. عـَـمّ البلاد نوع حُـكـْم جَديد فلسفته تقوم على قطع الأعناق, والأرزاق معـًا, حِنئِذٍ اصبحت الحياة لا تـُطاق, في عهد أطلقت عليه وسائل الإعلام الكاذبة, عـَهْد الحرية والإنعتاق! حدث كـُلّ ذلك, ولمْ يتجاوز عـُمْر الإنقلاب عشر سنوات, فماذا بعد ذلك؟
رحل الآلاف من أبناء الوطن زرافاتـًا, ووحدانـًا الى جميع قارات العالم بـَحْـثـًا عن الأمن, والكرامة, وكان العدد الهائل من هؤلاء المشردين قد إحتضنتهم مصر, وكان من بينهم السيد عبدو بن غلبون الذى إلتجأ الى مدينة الإسكندرية, كان ذلك عام80 م أو81م تقريبا, ما أن استقر السيد عبدو بالإسكندرية حتى بدأ يبحث عن كيفية الوصول الى السيد ادريس بـِنِيّة السلام عليه, وعلى آل بيته الكرام, إهتدى السيد عبدو إلى عنوان السيد الجليل ادريس, ورقم تلفونه, فأتصل بهم, وأخبر السيدة الجليلة فاطمة الشفا, برغبته لزيارتهما بالقاهرة, رَحّـبَتْ السيّدة فاطمة الشفا, وأصرّت عليه بإصطحاب كل أفراد أسرتِه ضيوفـًا على بيت السيد ادريس السنوسي, بعد زيارة السيد عبدو بيوم, إتصلت السيّدة فاطمة الشفا, بالسيد عبدو, وقالت له: إنّ السيّد ادريس يطلب كريمتكم الآنـِسة علياء لإبننا نافع, لـَمْ يتردد السيّد عبدو رحمه الله, وقال لها على الفور: إنـّهُ لـَشرف لي, ولأسرتي أن أصاهـر السيّد ادريس, والسيّدة فاطمة الشفا.
بعد مُضِي هذه المكالمة الهاتفية, بوقت قصير, تَمّ عقد قران السيد نافع, على الآنسة علياء, في بيت السيّد الجليل ادريس, في حفل اقتصر على العائلتين فقط, وأحد أصدقاء السيد نافع, وهكذا دخلت البهجة لهذا البيت الكريم, لأِوّل مرة منذ زمن بعيد... كانت العائلـَتـَان جَالِسَتَين جميعـًا, في غـُرْفة الإستقبال الرّحِـبَة, وكان في الصدارة يجلس السيد المهيب ادريس وبجواره حَرمه السيدة الكريمة فاطمة الشفا, وحِيْن شرع المأذون, بقراءة الديباجة المتعارف عليها بمصر, وجَاء فيها قوله (وقد تمّ هذا الـْعـَقـْد على مذهب الإمام أبي حنيفة) هُنـا استوقفت السيّدة علياء المأذون, بـِأدب جَمّ, وقالت: يافضيلة الشيخ أرجو من فضيلتك أن تكتب في العَقـْد, على مذهب الإمام مالك, رَدّ المأذون مخاطبًا السيدة علياء: كـُلهم أْءِمـَة أجـِلاء... فـَردّت عليه قائلة: نعم يافضيلة الشيخ جميعهم نجلهم, ولـَكِني مالكية, وأنّ هذا السيّد الوقور الذى أمامك هو مولاى محمد ادريس السنوسي, شيخ المالكية, وسليل مشائخ المالكية في ليبيا, إنصاع المأذون لمطلبها, وهنا سُرَّ السيد الجليل, بما سمع, ولاحت على مـُحَياه إبتسامة عريضة, وهمس بصوت هادئ بعض الكلمات التى أضحكت كل الحضور.
لمْ تـُرزق السيدة فاطمة الشفا, من رَحْمِهَا أبناء لكن أرْحَمّ الرّاحِمِيْن, رَحَمَهَا بالسيّدة علياء, فقد لازَمَت السيّدة علياء السيّدة الجليلة فاطمة الشفا قرابة ثلاثة عقود من الزّمن, كـَانت عـَبْر كـُلّ هذه السنوات الطويلة وفـِيّة مُـخْلـِصة, لـَم تـُفـَارقها يومـًا واحدًا الىآخِر نـَفـَس خَرج من روحها الطاهرة.
أتَيْت على ذِكـْر السيدة علياء في هذه الحلقة الخاصة, عن الرّاحلة السيدة الجليلة فاطمة الشفا بسبب الوفاء والإخلاص الذى نـَدُرَ, في هذا الزمن الردىء. فللسيد نافع, والسيدة علياء, وإبنهما, والعائلة السنوسية الكريمة, ولِكـُل من أخلص للسيّد ادريس, والسيّدة فاطمة الشفا, في مَنـْفاهما الصبر, والسلوان, وإنّا لله وإنّا اليه راجعون.
أخيرا اقول عن سيرة السيدة فاطمة الشفا, وعن زوجها, وأبيها, وجَدِّها الإمام الكبير, لـَقـَد:
أوْرثـْتـُمونا مَجْدًا تـَلـِيْدا أضَعـْناه وَزِدْنـَا عليه عارا وشِيْنـــًا [3]
إذا كان في العمر بقية, فللحديث عن العبث بقيّة ودمتم بخير...
فتح الله ابزيو
================
أحداث السلخانة البشرية التى إقشعرت منها الأبدان وشابت لها الولدان لأبنائنا الأبرار في محرقة بوسليم وإستنْـكرها شرفاء العالم أمثال الروائي الإسباني خوان غويتيسولو وصمت عنها أدبائنا الكبار الذين أدبهم الدولار فأحسن تأديبهم.
وبلادي وطؤوها الخونة
والمخانيث وتجـار
الضمائـــــــر
ألف إنسان يموت دون أن تدمع عين
ليعذرني القارئ الكريم فأحداث "الهولي كوست" "الثورية الهمجية الدموية" التى حدثت فى محرقة معتقل أبوسليم هي التي إنحرفت بمساري عن شارع إدريّان بيلت فى الحلقة الماضية ولـَنا عودة بحضراتكم للحديث عن هذه المحرقة التى لم تشهد لها بلادنا مثيلا منذ الأزل وسأفرد حلقةً خاصةً عن هذه المحرقة... أمّا الآن فآن الأوان لمواصلة الحديث عن نزيل الغرفة 139 ذلك الرّجل الإستثنائـي المقيم في غراند هوتيلأ والفندق الكبير بعد التعريب الغريب.
نزيل هذه الغرفة لم يكن إنسانـًا عاديـًا. كان شعلة من الذكاء المتـّقد كما تشهد شهاداته العلمية ويشهد زملائه خريجوا الدفعة الأولى من الجامعة الليبية في النصف الثاني من خمسينات القرن الماضى.
ظهر الفساد فى البرّ والبحر بما فعل المفسدون في أرضنا الليبيّة عام 73م إثْـرَ "الفَوْضة" الشعبيّة التى أطلقت عليها وسائل إعلامنا جـُزافـًا "الثورة الشعبيّة" بـُـعَيْـدها سيطر الرعاع والجهلة وأنـْصاف المتعلمين واللصوص والمتسلقون والقتلة المأجورون والمرتشون على مقاليد الأمور الإدارية والسلطة التنفيذية فسـاد الفساد فى البلاد. يومها كان الأستاذ محمد حسين القزيرى سكرتيرا عامـّـًا للغرفة التجارية فضاقت عليه وعلى الأحرار أرضنا بـما رحـُبت... لم يَـطقْ الأستاذ هذا الوضع الشّاذ فنوى الرحيل تاركا "مغارة على بابا" والغرفة التجارية للصوص "والنَهّابة" ولمعمر بابا ولصوصه الثوريين. حينها طلب القزيرى إجازة بدون مرتب لمدة عام ليرتب أموره فى منفاه الجديد. وعلى الرّغم من أن وظيفته تـُعَـد أعلى منصب فى الغرفة التجارية إلا أنّـه لم يستغل مركزه الوظيفي الذى كان سيدرّ عليه أموالاً طائلة لو تخلـّى عن ضميره, لكنه كان عفيفـًا فزهدت نفسه الكريمة ولم تمتد يده الطاهرة الى المال العام طيلة تاريخه الوظيفى.
رحل الأستاذ محمد إلى ألمانيا الغربية آنذاك والنمسا وإيطاليا لكنه لم يوفق فى هذه المحاولة ورجع الى أرض الوطن لضيق ذات اليد وشُحّت ما بحوزته من مال. في هذه الظروف كتب رسالة الى خليفة الفاخرى شارحا فيها أسباب إخفاقه فى الهجرة وَيُعْـلِمَه بأنه يريد العودة... وَلـَعَلـّـِي هنا اذكر بعض ما جاء في رسالته التى ختمها على نحو ساخر كعادته يقول فيها للفاخرى: أنا الان يا خليفة أتنقل من بلد إلى بلد، ومن فندق رخيص، الى فندق أرخص، وأنا على يقين بأن اخر فندق سأحـُطـُ الرّحال به قريبا، هو الفندق البلدى فندق الخضار وحتمـًا لن يطيب لى المقام هناك، "بجوار رباطى البصل والمعدنوس, وكذلك "رباطي الملوخية" التى وصلتنا أخيرا مع شعار الوحدة من أرض الكنانة قبل أنْ يصِلوا إخوتنا "الجوازى الذين سيطروا على الفندق البلدى فيما بعد" وارجو منك أن تتصل لى بالحرس البلدى لتحْجز لي غرفة هناك.
لم يمض وقتـًا طويلا حتى (رجع الـْمـُطوح من بعاده... "وعاد" الغريب الى بلاده) غير أن غـُربته تفاقمت وازدادت في بلاده. أمْـضى القزيري عامين وَنـَيّـف ذات ليال موحشة لم يقـْوَ على التأقلم ومجاراة هذا الواقع العجيب ببلادنا.
المعروف عن القزيرى سرعة البديهة والنكتة اللاذعة والسخرية الهادفة فقد حدث ذات يوم أثناء محاولة هجْرته الأولى إلى ايطاليا وأثناء تواجده في "بنسيون" تديره عجوزٌ إيطاليّة. كان الأستاذ ذات ليلة يستمع لشريط للمطربة الشعبية خديجة الفونشة. طرقت السيّدة مديرة "البنسيون" غرفة القزيرى، وقالت له إنّ صوت هذا المطرب رخيم ويبدو أنه زنجى فهل مطربكم هذا يتمتع بشهرة في بلادكم وما إسمه؟ إبتسم القزيرى بسخريته المعتادة وقال لها: نعم إنه مشهورجدا في مدينتنا وإسمُـه السيد "خـَـدِيـْجْ" الفونشه.
دأب القزيرى على محاولة الهجرة بعد أن طفح به الكيل فأنتقل الى مدينة طرابلس ومن سخرية القدر أن يقيم بالفندق الكبير هناك وتم تعيينه كمستشار بالخارجية الليبية على أمل أن يُبْـعَث للعمل بإحدى سفاراتنا بالخارج إذْ أنّه يملك كل المؤهلات لِتبوء هذا المنصب, بيد أنّ وزارة الخارجية خرجت عن دورها الدبلوماسي المتعارف عليه دوليًـا وأصبحت وكرا للمخبريّن والقتلة وأهْـل الوساطة والمحسوبية.
لم يبرح القزيرى مقر سكناه بالفندق الكبير بطرابلس يوما واحدا ولم تتصل به الخارجية الليبية وجاء فى إحدى رسائله الساخرة لأحد أصدقائه فى بنغازى بأنه عـُيّـن مستشارا بوزارة الخارجية ولم يستشره احد رغم بقائه هناك لمدة تجاوزت العام. حينها قرر أن يتخلى عن العمل في وزارة الخارجة ولكنه لم يتخل عن فكرة الهجرة.
فى تلك الإثناء كان جواز سفره قد إنتهت صلاحيته فقرر أن يستعين بصديقه العقيد عمر قويدر مدير الجوازات آنذاك وكان من ضمن إجراءات تجديد الجواز تعبئة نماذج التجديد. تصفح القزيرى نماذج التجديد فوجدها مكتوبة بلغة غريبة فلم يستطع تعبئتها وطلب العون من صديقه قويدر. هنا أمر قويدر احد الموظفين أن يقوم بتعبئة النماذج نيابة عن القزيرى. اثناء تعبئة النماذج سأل الموظف القزيرى قائلا: هل الاخ القزيرى عائد من المهجر؟ فرد القزيرى قائلا لا.... أنا لست عائد مــن المهجر ولكني "ماشي" للمهجر.
بعد تجديد جواز سفره بقي بطرابلس قرابة ستة أشهر منتظرا تأشيرة الخروج التى كانت ضرورية لكل من ينوى السفر الى الخارج من ذلك السجن الكبير الذى يعرف "بالجماهيرية" فى تلك الفترة وصلت منه رسالة لأصدقائه فى بنغازى ختمها ببيت من الشعر الشعبي يقول فيه "لا نَخـْدمْ لا إنْـديْـرْ بَصيـّرَه... فـَيْـتْ إنْ رَاجـِـي في التأشيرة".
غادر القزيرى بلاده وموطن اجداده ولم يكن يحمل معه من حطام الدنيا شيء يذكر سوى حزمة مثقلة بالأحزان الخالدة وعشْقـًا خالصـًا لمَهد طفولته وصباه. كان القزيرى مرهف الحس وذا نفس عزيزة لـَـمْ يتاجر بمؤهلاته ومواهبه الفـذّة التى حباه الله إياها والتى لو تاجر بها مع فرعون لـَتبوأ بها مكانـًا عليـّـًا لكن نفسه الأبيّة رفضت وعافت كل ذلك وفضلّ عيشة المنافي والتشرد من أجل مبادئه وإنسانيته.
بداية النصف الثانى من خمسينات القرن المنصرم أعدّ الأستاذ القزيرى دراسة أدبية تناول فيها سيرة شاعر درنه المرحوم إبراهيم الأسطى عمر - ويعتَبر محمد القزيرى من الرّواد الذين تناولوا سيرة هذا الشاعرالمناضل فقد كـَتـَبَ هذه الدراسة عندما كان القزيرى طالبـًا في جامعة بنغازى - شدّت هذه الدراسة إنتباه الأستاذ أسعد المسعودى - وهو احد اصدقاء الأستاذ محمد القزيرى - إسـْتـَعـارالأستاذ اسعد هذه الدراسة من صديقه ثـُمّ اخذها اسعد معه الى مدينة طرابلس. عاد الأستاذ أسعد الى بنغازى ولم يـُرجـّع معه مسودة الكتاب الى صاحبه وعندما سأل القزيرى عن مسودة كتابه أجابه صديقه اسعد, بأنّ الكتاب قد عرضه على احد كتّابنا الكبار فى طرابلس وأنّ هذا الكاتب الكبير وعده أن يعيده إليه بعد أن يقرأه قراءةً متأنيّة ثـُمّ يرسله له في بنغازى فقد نالت هذه الدراسة القيّمة عن الشاعر الاسطى عمر إعجابه. هكذا برر "كاتبهم الكبير" إستلائه على هذه المسودة من الأستاذ أسعد. تقبل القزيرى هذا التبرير من صديقه اسعد لم يسأل بعدها القزيرى عن مسودة كتابه الى انْ فوجىء مع اسعد بعد عشرسنوات من تلك الإستعارة التى تحولت فيما بعد الى سطو أدبيّ. فقد طـُبِـِع هذا الكتاب مع اضافة بعض الجُمَل وَنـَسَبَ هذا الأديب "اللص" الكتاب لنفسه دون احترام لنفسه وللكلمة الشريفة التى إمتهانها "فمن يسرق الكلمة يسـْتَبيـْح كلّ ما تطاله يده".
حدثت هذه السرقة الأدبية ونشرت على الملأ فى كتاب طـُبِع عام 66م تقريبا ومن مآثر هذا الشيخ المخجلة ايضا أنه منح "القائد الأممي الأمي" مفتاح مدينة طرابلس هبة منه وَكـَأنّ عاصمتنا طرابلس مـِلــْك ورثها عن جده رحمه الله. عُرض هذا االمشهد الذى "لايليق بكلب شريف" على شاشات الجماهيرية وفي نفس هذه المناسبة كان يـُـكـَاتِف هذا الشيخ "الأستاذ خليفة التليسي" الذى أبى أن تفوته هذه المناسبة دون أن يدلي بدلوه المثقوب بقصيدة عصماء حتى لايفوته العطاء. ولا زالت تلك القصيدة تذاع الى يومنا هذا بمناسبة وبدون مناسبة وقد وقف هذا الشاعر أمام "كـَافُورنـَا الخشبي" الذى ازكمت "إصناناته" أنـُوْفَ جموع الشعب المسلح الغير قابل للهزيمة واصفـًا إياه بأبي المسك ولا أظن ان الأستاذ خليفة التليسى صاحب تلك القصيدة سيتمرد كما تمرد سيد الشعراء والمداحين المتنبي على كافورالإخشيدي بعد وَصـْفـِه لسيّده بأبى المسك ثم إنقلب عليه وهجاءه بأبيات ستتردد على ألـْـسـِـنَة الناس الى يوم الدين وهذه بعض من أبياتها لعلّ شاعرنا الكبير قد تناساها اثناء هيامه ووجْـده بين يدي سيده.
صَار الخَصِيّ إمامَ الآبِقِين بها فالحُرّ مُسْتَعْبَدٌ والعبــــدُ معْبُودُ
ما كُنْت أحْسبُني أحْيَا إلى زَمَنٍ يُسِيءُ بي فيه عبدٌ وهومحْمُودُ
أمْ أُذْنُهُ في يَدِ النّخّاسِ دامِيَـــةً أمْ قَدْرُهُ وَهْوَ بالفلـْسَينِ مـردودُ
أبيات كهذه لا أظن مطلقًا أن يتجرأ على البَـوْحِ بها شاعرنا وأديبنا الأستاذ خليفة التليسي في خريف عمره "لكافورنا الجديد" ولـْيـَسمَح لي أديبنا الكبيرأنْ أسْـتعير مقولةً لِـسيّده صاحب الكتاب الأخضر والذى يبدو أنه لم يتمكن من تدوينها ضمن النظرية فقالها مشافهةً في احدى خطبه النارية يوم حرّضَ أبناء شعبه وطلب منهم على رؤوس الأشهاد بأن يغادروا موطن اجدادهم ويرحلوا الى أدغال إفريقيا حيث المياه والغابات وخيرات الله الكثيرة والحيوانات المفترسة وكعادة "القائد الراسخة" في بـَخْس أبناء شعبه ووطنه خاطبنا قائلا: إنّه لامستقبل لكم فى هذه البلاد فالرّمال تزحف عليها وهي في طريقها الى التصحر! لم يتوقف إسْـتِـهْتاره بنا عند هذا الحدّ فأضاف بتهَكـُم وسخريه فجّة لم يتعرض لها أيّ شعب آخر فوق هذه الكرة الأرضية سوى شعبنا قائلا: واجبكم الآن وفورا أنْ تـَطـْـلـُوا وجوهكم بالطلاء الأسْوَد وتذهبوا جميعًا الى الفضاء الإفريقي الرّحِب! ثم إستدرك قائلاً: إنّ إفريقيا اكثر دِفْئًا منْ سويسرا وبالتالى فإن سويسرا "صَقْع عليكم" غير أنّ الصقيع والثلوج التى تلـُـف سويسرا لم تمنع أديبنا الكبير ابراهيم الكوني إبن الصحراء الولهان لدرجة العشق بحب تلك الصحار ىأنْ يَطـِيْب له المقام هناك وأستبدل خيمته الـْمـُرتقة وَبـَعـِيْره الأجرب بسيارة عصريّة فارهة "وفيلا" فاخرة فوق التلال الخضراء المكـْسوة بثلوج ناصعة البياض في تلك البلاد الخلابة لـِيـَـصْـبح "دلالاً وسمسارا" بإمتياز لجائزة القذافى الأدبية العالمية. فماذا بعد ذلك؟
إلـْـتَـقـَفَ الشعب الليبي هذه المقولة السّـمِجة ونسيّ كـُـلّ مقولاته الشهيرة وخاصة مقولته المهزلة التى تقول "المرأة تحيض والرّجل لايحيض" وأصبحت مقولة "صَـقـْـع عَليْكم" بمثابة أ ُمْ المقولات ومادة ساخرة يتندر بها الجميع وخاصة في الأشياء صعبة المنال وما أكثرها في بلادنا فـَـيا لـَعقم هذا الدهر فلقد إسـْـتـَخـَـفَـنا فـِرْعونـَـنـَا فأطعناه!
إنّ دولة سويسرا التى خشيّ قائدنا من زمهرير صقيعها على رَعـِيته, أصبحت مرتعـًا خـصبـًا لأسرته الكريمة وخاصةً نجله الأرعن هنيبعل والذى تسببت تصرفاته الهوجاء في ازمة سياسية بين البلدين "وزعل" القائد ومـُرِيديه, فـَطـَلب قائدنا بتقـْسيم تلك البلاد إلى أربعة أجزاء تـَيـّمـُنـًا بالصومال الشقيق لتصبح سويسرا صومال أوروبا الجديدة ولنفرض جدلاً حدث كلّ ذلك وقسمت سويسرا كما يحلم القائد فإنّ الغالبية العظمى من سكان العظمى لنْ يخـْسروا شيئـًا. فالخاسرالوحيد سيكون الصقر الوحيد وأسرته وَمحترفي العمولات ومنْ يدور في فـَلـَكـِهم, حيث أننا نحن أصحاب "المصلحة الحقيقية فى الثروة" كما تقول النظرية... لا نعرف سويسرا ولا نملك أرصدة في بـُنـُوكها المكدسة بخزائنها أموال الشعب الليبي المنهوبة ولا نـَقـْتني ساعات الروليكس المصنوعة من الذهب الخالص والـْمـُطـَعَمةِ بالماس ولا توجد أيّ ساعة رولكس في العالم كـُلـِه بداخِلها صورة لأي مواطن جماهيري بإستثناء صورة واحدة للمواطن الليبي معمر القذافي الذى أثبتت نظريته بالفعل "أنّ القائد سيد الجميع" الى أن يثبت العكس ونرى صورة المواطن على الشاعرىأو المواطن على التريكى على تلك الساعات.
على ذِكـْر الدكتور علي التريكي فقد ذَكـَرِني بـِخِطاب "الزعيم" الليبي من على منبر الأمم المتحدة فقد كان الخطاب من أفصح وأوضح الخطب التى قيلت داخل جدران "حائط المبكى العالمي". وللإنصاف والحق فقد اثار الزعيم الليبي قضايا لم يجرأ على طرحها احدا سواه منذ زمن بعيد فقد أثار في خطابه أزمات ومشاكل ومظالم تراود كلّ الأمم التى غـَـبَـنَـتـْها هذه الهيئة الظالمة... تطرق في كلمته المطولة الى قضية المناضل الإفريقي باتريس لوممبا وطلب التحقيق في مقتله لكشف الحقيقة... تحدث عن إغتيال الرئيس كيندى وطالب بالكشف عن القاتل الحقيقى لهذا الرئيس... وتكلم أيضا عن إعتقال الرئيس البنمي الذى أ ُقـْـتـِيد مـُقـيّدا من قصره ووضع بأحد السجون الأمريكية وذكر جميع الموبقات والجرائم التى ارتكبتها مخابرات أمريكا في هذا العالم... تحدث عن فلسطين وإضطهاد شعبها... لم يَـغـْـفِل شعب فيتنام العظيم وما تعرض له من آلة الدمار الهمجية الأمريكية... تناول ايضـًا الموساد الإسرائيلية ودورها في إغتيال رئيس جمعية الأمم المتحدة همرشُلد. كذلك تحدث عن إحتلال العراق وإعدام الرئيس الراحل صدام حسين من قبل رجال ملثمين بـِخرق سوداء ولـَمْ تكن "خضراء" كالتى يَــتـَلـَـثــَم وَيـَـتـَـعَمـَمْ بها رجال المهمات الدموية القذرة في بلادنا... تحدث عن حقّ الفيتو الذى احتكرته القلة القليلة من الدول العظمى... قال الكثير الكثير من الحقائق الدامغة التى لا يختلف معه فيها عاقل في هذا العالم المثخن بالجراح والمجاعات والحروب وركز فى خطابه على قضية أبوغريب المخجلة فى تاريخ الإستعمار الأمريكي الذى أخذته العزّة بالإثم والعدوان. وأثناء إستماعي لهذا الخطاب - وخاصة بعد أن ذكر فضيحة أبوغريب - إنتابني شعور بـِأن القائد سـَيـَـدِين قضية مشابهة وتعتبر شقيقة لقضية أبوغريب... والغريب أن إسم هذه المحرقة تشترك في الثلاثة حروف الأولى لإسمي السِّـجْـنَـيْن فإسم السجن الأول الذى ذكره القائد يبدأ بإسم "أبو" غريب في العراق وأمّا الإسم الثانى الذى تناساه عمدا القائد فيحمل إسم "أبــو" سليم في طرابلس والذى لازالت خِيّام مآتم ضحاياه منصوبة في كلّ قرية ومدينة وواحة في بلادنا حتى ساعة إلقائه لخطابه المفعم بالدفاع عن حقوق الإنسان.
إن جريمة أبوغريب المقززة قد قام بها جـُنـْـد المستعمر بوش الجاهل الذى وَدعَـه الشعب العراقي "بِـِشـْلاكـَة" أمـَـّا محرقة أبوسليم فقد قام بها جـُنـْد ملك الملوك الذى تحول فجأةً الى داعية سلام ومهتم بقضايا الإنسانية في خريف عمره.
ليسمح لي القارىء الكريم وأبناء هذا العالم المقهور أنْ اتجاوز حدود اللياقة واللباقة واقول بالعربي الفصيح اكثر ممـّا قاله القائد "إتـْـفـُو" على هيئة الأمم المتحدة والنفط وعلى كـُل مـُعـْـتـَدٍ أثـِيْـم إعـْتـَلى منبرهيئة الأمم المتحدة فأثناء إستماعي لهذا الخطاب (كـَانَ بـِـودِي أنْ أبْـكِـى ولكني ضـَحكـْــــت).
قبل أنْ ينهى القائد خطابه التاريخي المطول بدقائق قليلة إلـْتـَفـَت خلفه حيث يوجد السيد على التريكى الذى يدير الجلسة. خاطبه بـِالإسم ورمى عليه كراسة بها ميثاق الأمم المتحدة وَكـَـأنّ علي التريكى هو الذى صاغ ووضع هذا الميثاق الجائر. كـُنـْت أتمنى أن لايرمي القائد ذلك الميثاق خلفه وعلى أحـَدْ أبناء شعبه ويتجرأ ويرمي ذلك الميثاق حيث يجلس الأعضاء وخاصة الكبار منهم محتكرى قرارات الأمم المتحدة وبقية الوفود ورؤساء الدول الاخرى الذى أوَافقِه على تسميتِهم "بالديكور" الذى يزين مبنى هيئة الامم لكنه يبدو أنّه حـَسَبَهَا جيدا وتعلم منْ أنّ سياسة الطزطزة لا تجدى نفعـًا وأنّ عواقبها قد تكون وَخِيمَة وهنا ربما قال في سِره مثلاً شعبيًا طالما ردده شعبه في ليبيا (يامْـنـَجِي إقـْفَـيْـفـْتِي بـِعَـنَبـِهَا) وبالتالى قد تـُكـَلـِفـُه هذه المسرحية الكثير وهذا الموقف ستكون له عواقب غيرمحمودة وتكون بالفعل "صقع عليه" كـَما أنّ سويسرا "صقع علينا"... عندما قذف القذافي ميثاق الأمم المتحدة على رئيس الجلسة الأستاذ التريكى الذى لاأدرى اين أصابته على وجهه أم على قفاه. هنا تذكرت طيب الذكر الاستاذ على فهمى خشيم المتخصص فى تأصيل الكثير من الكلمات الأجنبية والذى يزعم أن أصلها عربية وهنا اختلف معه وإختلافي معه لا يـَمـُت للغة العربية بـِصـِلـَة حينما قال ذات مرة أنّ أصـْـلْ كلمة "التريكى" هو تصغير لكلمة التركى وسبب إعتراضى على الاستاذ خشيم بسيط للغاية لو أنّ جـِيْـنـَات الأستاذ التريكى تنحدر من جذور تركية ماكان يرضى بهذه الإهانة التى تعرض لها أمام العالم اجمع وَلـَوقف موقف التركي المشرف "أردوغان" رئيس وزراء تركيا في مؤتمر عالمي شهيرعندما اعترض ووبخ المؤتمرين الكبار وكان على رأسهم الصهيوني العتيد بيريز حِـيْـنـَها لـَمـْلـَم أوراقه وغادر ذلك المؤتمر.
الأستاذ علي عبدالسلام التريكى تجاوز العقد السابع من عمره ولن يعيش أكثر ممّا عاش فقطار الموت الإلهي يدنو منه بعد أن أمِـنـّا شرّ قطار الموت الأمريكى الذى طالما هددنا به القائد فى السنوات الماضية وأصبحنا بـِفـَضل حنْـكـَتِه من ركاب الدرجة الأولى لهذا القطار المزعوم ودوّنـّا في هذا المجلس عبارة "نحن هنا" فـَقَـد فـَـوّت الدكتور التريكي على نفسه فرصة تاريخية لن تـُوَاتِيْه مرةً ثانية حتى ولو بقي في هذا المنصب سبعة عقود أخْرى لا قدر الله.
بما أنّ الدكتور على التريكى كان حسب بروتوكولات هيئة الأمم هو رئيس تلك الجلسة فالمتعارف عليه حسب قوانين تلك الهيئة فـَهو الذى يقدم روءساء الوفود للتحدث وأنّ دوائر مكبرات الصوت هو الذى يتحكم بها وهو الذى يستطيع أنْ يخاطب ويقاطع المتحدث. هكذا تقول قوانين تلك الهيئة. وبـِما أنّ الدكتور التريكي تعرض لتلك الإهانة أمام زعماء العالم وشاهدها العالم اجمع بعد أن قذف عليه القذافي ميثاق الأمم المتحدة كـان على الدكتور التريكى أن ينتهز تلك الإهانة ويقطع الإرسال عن من أهانه ويـُخْبـِر هذا العالم "الثقيل الدم والسمع" الذى أولى أولوياته للنفط ولايعير أيّ إهتمام لتدفق دماء الليبيين عبر مجازر, وتنكيل بأبناء اخوانه الليبيين خلال أربعين عاما من حكم هذا الرجل الذى يدّعـى الحكمة والرزانة بعد أن نَجَى من قضايا خطيرة فى حقّ الإنسان الغربي بالرشاوى وعقد الصفقات مع الشركات الكبرى التى تتحكم فى مصائر الشعوب البائسة. ولو تجاسر الدكتور التريكي واخذ مكبر الصوت لمدة عشر دقائق فقط وقال على الملأ: أرَأيْتم كيف يعاملنا هذا الدّعي المصلح الجديد امامكم؟ واخبرهم بطريقة معاملته المتوحشة مع بقية الوزراء والموظفين الكبار داخل الخيمة المزركشة فى العاصمة الليبية أو في قاعة مؤتمر الشعب العام بعيدا عن الكاميرات وحدثهم كيف يهان الوزير الليبي بالسباب الذى يصل الى درجة الشتائم, وأحيانا بالضرب والبصق ولعن "سلسبيل" آبائهم وأمهاتهم, وتجرأ أكثـْر من ذلك واعلم العالم بأن أمين اللجنة الشعبية العامة وهى وظيفة تعادل في كل أنحاء الدنيا رئيس الوزراء وكيف تعرض للضرب من قبل داعية حقوق الإنسان الجديد وكيف كسر له فـَكـِه السُـفـْلي أمام الحضور وهذه الحكاية يعرفها كل أبناء الشعب الليبي وقد يكون الدكتور التريكي احد شهود هذه الواقعة... ولا نريد أن نرهقه في هذه الفرصة التاريخية التى واتـَتـْه ولم يغتنم هذه الفرصة النادِرة ليتحدث عن معاناة بقية الشعب الليبي من هذا الحاكم طيلة العقود الأربعة الماضية... لكنّ الشعب الليبي العظيم طال الزمن أو قصر سينتفض ذات يوم لامحالة ولو إستيقظ ضمير التريكى في تلك اللحظة لخطف كلّ الأضواء ولسُجِل إسمه في قائمة رجال التاريخ ولــَصنع له الشعب الليبي في ساعة اليسر تمثالا من المعادن النفيسة ونُـصِب له تمثال على نفس منصة تمثال سيبتيموس سيفيروس الذى ازيح من مكانه بالقرب من السرايا الحمراء في عاصمتنا الكريمة لكن السيد التريكى وأفعاله المشينة لا يستحق ان يقام له تمثالا ولو من "بـَعـْرالبـَعـِيْر".
أثناء زيارة القائد لمدينة نيويورك إلتقى ببعض افراد الجالية العربية والاسلامية, وكان من ضمن هؤلاء ست سيدات اوسبعأ نطقن شهادة التوحيد بعد أن لـَقنهُن قائد المثابة الإسلامية الشهادة ثم قام القائد ووزع عليهن المصحف الشريف باللغة الإنجليزية. كان يجلس على يمين القائد الاستاذ علي الريشي وكان يقوم بعملية الترجمة من حين لآخر كنت قد تمنيت في حينها أن يمنح القائد نسخة من القرآن الكريم للأستاذ الريشي والذى عندما رأيته جالسـًا على مقربة من القائد تذكرت على الفور طـُرْفـَة حدثت له في النصف الثاني من السبعينات عندما كان طالبـًا بالولايات المتحدة وهذه الطـُرْفة عـُهـْدَتـِها على رُوّاتـِهَا فقد انتشرت حـِينـها بين أصدقاء الريشي انذاك تقول هذه الطرفة أنّ الأستاذ الريشى تزوج من فتاة أمريكية وبعد زواجه إتصل بوالدته رحمها الله لـِيـُعـْلـِمُها بأنه قد تزوج من فتاة إمريكية واخبر والدته بأن زوجته الأمريكية قد إعتنقت الإسلام فما كادت تسمع والدته الفاضلة هذه الحكاية حتى بادرت إبنها علي قائلة له "مبروك يا إعليوه وعـُقْـبـَالك".
نعود لسيرة الأستاذ القزيرى وحكايته مع شيخ الكتـّاب. كان القزيرى يتندر كلما ذكر إسم هذا "اللص المثقف" الذى بلغ من العمر عتيـّا والذى لازال حيّـا يرتزق بكلماته المفرطة فى النفاق وفن الإرتزاق.
إن لص "طرابلس"الذى سرق هذا الكـتَاب يـُلـَقبْ الان بشيخ الأدباء فى بلادنا ويشار اليه بالبنان والأجدر أن يشار اليه بالبنان الأوسط, فقد مـُنِحَ هذا اللص الأديب العديد من الأوسمة الخضراء مـا تنوء به ساحتنا الخضراء والساحة الحمراء في موسكو, وقديما قيل "الصيت أطول من العمر" فهل يوجد من نَعـْت يا أهل لـُغَة الضاد يناسب مقام هذا الشيخ الغير "مؤدّب" الذى فقد وِقـَاره تجاه مصائب أبناء وطنه الجسام؟ التى حلـّـت بِالقرب من جدار بيته, في بوسليم, وَلـَم ْ يـَنـْبـِس بـِبِـنْتِ شَـفـَـة, فـَلـِمَن, ولماذا يكتب هذا الكاتب "اللص" العجوز أيها العبيد الذين لـقـّبهم القائد بالسادة؟
حـَط الأستاذ محمد القزيرى عصا الترحال فى منفاه بالمملكة المتحدة فى نهاية عام 77 م, كـُنـْت قد سبقته إلى منفاى في لندن بعام وبضعة أشهر, قبل وصوله بعث لى برسالة يعلمني فيها بأنه قادم الى لندن فى بحر إسبوع لكنه لم يحدد لي يوم وتاريخ وصوله لأقوم بإستقباله بمطار هيثرو, غير أننى لم ألـْتـَقِه إلا بعد وصوله الى مدينة لندن بثلاثة أيام فى "كولنغ هام رود" بمنطقة "إيرلس كورت".
كانت تلك المنطقة فى تلك الفترة تـَعـِج بالعرب, وكان تواجد العرب فى تلك المنطقة في ذلك الوقت يفوق عدد الانجليز أصحاب البلد الأصليين مما جعل القزيرى يطلق على هذه المنطقة لقب منطقة الشرق الأوسط الكريه, إنتقل القزيرى من غرفته بأحد الفنادق الشعبية إلى غرفتى المتواضعة فى الدور الرابع ولم يكن بتلك العمارة مصعد "اسنسير". كان وصول الأستاذ الى غرفتى فى الطابق الرابع يُصيبه بضيق فى التنفس ولا يبدأ في الحديث حتى يجمع أنفاسه, فكنت أمازحه بأن هذه الغرفة ستقضي على ما تبقى مـِنْ أنفاسك. كان يردّ مازحا: بأن إنقطاع أنفاسه فى هذه الغرفة أفضل من أن يُقْـطع رأسه وبالتالى تنقطع أنفاسه وإلى الأبد بالفندق الكبير بالجماهيرية.
قبل رحيله الى منفاه الجديد! بإسبوعين إلتقى الاستاذ القزيرى بأحد أصدقائه القدامى فى مدينة طرابلس وأخبره بأنه ينوى الهجرة الى بريطانيا فما أن تأكد هذا الصديق بأن القزيرى جاد فى مشروع هجرته حتى أعطاه رقم تلفونه بلندن وأخبره بأن وزارة الخارجية الليبية قررت نقله الى السفارة الليبية بلندن باحدى الوظائف المرموقة بتلك السفارة ووعده بأن يدبر له وظيفة مترجم هناك ولكن بعقد محلي وليس كمبعوث من الخارجية الليبية.
كان العمل فى السفارة الليبية بعقد محلي كالعمل "بـِالسُخْرَة "في عصور العبودية والظلام فالموظف والعامل المتعاقد معه بـِعَقْد مَحلي محروم من أبسط حقوقه. عـَمـل فى "ذلك الوقت" مجموعة كبيرة من الشباب الليبي في السفارة الليبية بعقود محلية وتتقاضى مرتبات زهيدة للغاية لا تسد الرمق في أغلى عاصمة في العالم آنذاك وكنا نعمل في سفارة بلادنا التى كانت من أغنى وأغبى دول العالم. فالفائدة الوحيدة التى إستفاد منها الموظفون المحليون هي الحصول على الإقامة القانونية في المملكة المتحدة.
عذرا للإطالة فإن كان فى العمر بقية فللحديث عن القزيرى, وبنغازى وعبث الكوازي بقية ودمتم بخير.
فتح الله ابزيو
==============
"حريتي من الله فإن إفتقدتها فأنا وحدى المسئول عن ذلك"[1]
قبل مواصلة حديثي مع حضراتكم عن شارع إدريّان بيلت, وساكنيّ الغرفتين211 و139 أود ان أعود بذاكرتكم الي تلك الفترةالواقعة ما بين عامي75 م و76 م, تلك السنوات التى صار فيها الظلم بواحا, فقد طال الظلم الجميع, مستثنيًا بطانة السوء. كانت سنوات لايشبهها شيئًا سوى "كابوسًا" مرعبا ففي تلك الأيام الحالكات سـُـدّت الافاق, وضيـّق الخناق, وشحت الأرزاق, وعـُـلِقت فى الميادين الأعناق, ودخلت البلاد فى عتمة الأنفاق, لم يخرج الانسان الليّبي منها منذ ذلك الزمن السحيق.أربعة عقود بالتمام والكمال, كان الرّعب والإذلال فيها "سيد الجميع", ولاسيد سوى "القائد ووَزِرِيعته الكريمة" أيام قليلة وستطل علينا السـُنّـة الغير محمودة متمثلة في موسم العطايا, والمكرمات, والوعود الإصلاحيّة السنويّة الكاذبة المتمثلة في حكاوى " مجترة " لم يلمسها المواطن المطحون, عبركل سنوات الحديث عن التغيير والتغيرات التى يخدر بها هذا المواطن البائس الذى يمشي على اقدامه المتهالكة بأحذيته البالية على أرض معطاءة جادت بخيرات الله, بلى إنّ خيرات بلادنا لم تكن هبة من احد فقد وهبها الوهاب عزّ وجل ليعيش بها أبناء هذه الأمة حياةً كريمة, ولا يحق لأحد كائنا من كان حتى ولو كان ملك الملوك وملك الموت معـًا أنْ يَمـُنّ علينا. لطالما سمعنا عن وعود اثبتت الايام زيفها, وعلى سبيل المثال, بيوت للمواطنين, وسيارات حديثة, ومدارس, ومستشفيات, واجهزة كمبيوتر, في بلاد يتلقى تلاميذها تعليمهم وهم جالسون على علب الصفيح, أولئك التلاميذ الذين يتضورون جوعاً, ويرتجفون بردا فى الشتاء, ويعانون قـَيـْض حـرّ الصيف. ابنائنا فلذات اكبادنا الحفاة العراة, الذين حرموا من وجبة غذاء صحيّة, كما كانت تفعل حكومة المملكة الليبية فى مدارسها ذات يوم. سنوات طويلة مرت والمواطن الليّبي يسمع حتى صُـمَتْ أذناه من جعجعة صاخبة الصوت لكنه لم يـَـر طحينا حتى هذه الساعة فأنتبهوا قبل فوات الاوان يا من بيده الحل والربط لهذا الشعب العظيم, فإنه.
شعب على العسف والخسف صابر
يحاذر حينًا وحينـــــًا يجاهــــر [2]
فلنحذر جميعا وأقول وأكرر جميعاً أنه حين يجاهر هذا الشعب العظيم الأبيّ يومها لن تنفع كل الحلول التلفيقية الترقيعية القبلية التى يديرها الإنتهازيون, واللصوص, والذين يعلم ويعرف الشعب الليّيي تاريخهم الملطخ بالدماء البريئة, والعمولات, والسرقات, وقهرهذا الوطن ومواطنية.
بعد الإستقلال ظنّ الشعب الليبي بعفويته, وحسن نواياه, وسذاجته, أنّ مرحلة الرّعب, والقتل الفردى, والجماعي, وتهديم البيوت, قد وَلــّتْ وإلى الأبد, لم يكن يتصور احد من أبناء ليبيا, أنّ المشانق, والتصفيات الجسديّة, وقتل اكثرمن ألف ومئتي إنسان بخسة ونذالة داخل سجون الدولة, التى إستضافتهم عنوةً, ومن المفترض أن تكون حامية وحريصة على أرواحهم التى في ذمتها أمام الله, والشعب, ودستورنا العصرى المتمدن, الذى كان مآلــَهُ سلة المهملات, واستبدل, بالاعلان الدستورى المؤقت, بتاريخ11 ديسمبر69 م.
كان أهم وأخطر ما في هذه " الــْوُريــْـقة الصفراء" المادة الثامنة عشر, والتى تنص على أنّ مجلس قيادة الثورة هو أعلى سلطة في ليبيا, ويباشر اعمال السيادة العليا فى البلاد, والتشريع, وَوَضـْع السياسة العامة للدولة نيابة عن الشعب, ولــَهُ بهذه الصفة أن يتخذ كافة التدابير التى يراها ضرورية لحماية الثورة, والنظام القائم عليها, وتكون هذه التدابير, في صورة إعلانات دستورية, أو قوانين أو أوامر, أو قرارات, ولايجوز الطعن فيما يتخذه مجلس قيادة الثورة, من تدابير أمام أية جهة, ومن داخل هذا الإعلان الدستورى المؤقت توالدت بعض القوانين منها على سبيل المثال القانون رقم45 لسنة72 م الذى اعتبر الأحزاب جريمة, وحذر من الإضراب عن العمل, وكذلك الإمتناع عن الدراسة, والإعتصام, بأماكن الدراسة, وكذلك القانون رقم71 لسنة72 م, وهو قانون تجريم الحزبية, حيث تنص هذه المادة على أن أي عمل حزبي يعتبر خيانة, في حق الوطن, ويعاقب عليها بعقوبة الإعدام, ومن هناك جال وصال في بلادنا الحكم الفردى, ولاح فى الأفق "خراب مالطا".
لم يكن يدورفي خـُلـْد أسوأ المتشائمين في بلادنا بِأنّ حـِـبال المشانق ستلتف حول رقاب أولادنا من جديد, وأنّ منصات الإعدامات سَـتـُرَمـَم مرةً أخرى على ايادى حكامنا الجدد أبناء جلدتنا الذين خرجوا في جنح الظلام مثل اللصوص وقطاع الطرق من معسكرات جيشنا الباسل, فالفاشيست الطليان لم يشنقوا مواطنا واحدا طيلة إغتصابهم لبلادنا في الملاعب الرّياضية, ولاالجامعات, والمعاهد, والمدارس, في عهدهم المشين, لا لأِنَ فاشيتهم وحقارة فلسفتهم تمنعهم من ذلك, بل لعدم وجود كـُل هذه المؤسسات التى عـُـلقت بداخل جدرانها, وساحاتها أجساد أبنائنا الكرام, فقد شـُيـَدت كـُلّ هذه الصروح في عهد الإستقلال المجيد, بإستثناء" الكنيسة الإيطالية "في بنغازى, والتى تحولت فيما بعد الى مقرا للإتحاد الإشتراكى الذى اثبت فشله الذريع فى الشقيقة الكبرى, والذى لازالت تعانى من أثاره حتى يومنا هذا, ثم بعد ذلك أثبت فشله فى الجمهورية العربية الليبية آنذاك, وأستبدل بفلسفة جديدة وأدوات حكم جديدة لم يُسـْتشر احد من ابناء الشعب الليبي فيها, وكانت كلها من بنات افكار "مبعوث العناية الإلهية" كما تصفه وسائل إعلامنا المشهود لها بكفاءتها فى النفاق, والدجل, لقد تحولت ساحة الإتحاد الإشتراكي الامامية الى مقصلة شنق فى وسطها االشهيدان المناضلان عمر دبوب ومحمدبن سعود, تلك الكنيسة التى يقال الان إنها ترمم, ولا غـَـرْوى أن يأتي ذات يوم القسيس المرابي اللئيم برلسكوني لـِيـُقيم قـُدَاس يوم الأحد, برفقة الأستاذ محمد احمد الشريف, شيخ الدعوة الاسلامية في بلادنا, ويجلس خاشعا خلف الإمام الجديد برلسكوني لعل اليهود والنصارى يرضوا عنه, وعلى الاستاذ رئيس الدعوة الإسلامية أن لاينسى فى هذا القـُدَاس أن يجلب معه بعض المشايخ الذين أباحوا دم الشيخ الشهيد البشتى بإسم اللاة والعزى, فلعل "القس اللص" برلسكوني يتحصل على بعض البركات, والثواب, والعطايا, مثل براميل نفط, وعقود تجارية يسيل لها لـُعـَاب بعض رجال ساسة الغرب الديمقراطي, وخاصة "اللص" المرتشي برنسكوني كما تصفه صحافة بلاده.
عندما قـَبـّل حفيد موسليني يد ورأس إبن الشهيد عمر المختار, فرح الكثير من الدهماء, وكتبت المقالات من قـِبـَل الذين أدمنوا تقبيل وَلــَحْسِ "أحذية الرّجال الجوف" وأعتبروا تلك القبلة المعدة بإتقان في دهاليز مطابخ "المافيا" الإيطالية واللصوص المحليين اصحاب المصالح الحقيقية فى النفط والغاز الليبي فتحـًا مـُبِنـًا, وحاولوا بِـبـَلادَة تسويق هذا الفيلم الهوليودى الذى حـُبـِك بعناية فائقة, وصُرف عليه من خزينة "سيد الجميع" مستعيرين المثل الشعبي والذى يقول " من دِقـْنـَه إفـْتله حبل "فقد سـُوِقَ هذا الحدث عبر ابواق النفاق على انه نصرا مبينا, وحتى لا نقسوا كثيرا على برلسكوني, فيجب أن نذكر بعض مزاياه, فهذا الرجل عندما قـَبـَلَ يد ورأس إبن عمر المختار كما ذكرنا سابقا ليس "حـُبـًا لـِعـَليّ ولا كرها لمعاوية" ولكن حـُباً لمصالح شركاته المنتشرة فى كل مدينة وقرية في ايطاليا وخارجها, وبما أنه اصبح أحد المبشرين العشرة بالجنة الليبية, والصديق الصدوق الاول والاخير لقائد إفريقيا, فلعل قائدنا التاريخي الذى لم تنته صلاحيته بعد أن يتعلم ويقلد صاحبة "الشيشليانى" ويتواضع ولو مرة واحدة فى حياتة قبل رحيل العمر, ويـُقـَبـِل أيادى بعض أباء وليس كل ضحايا حكمه, كوالد كل من الشهداء صالح النوال, وعمردبوب, ومحمد بن سعود, وعمرو النامي, وكذلك والد الشهيد حامد القندوز, فلربما بعدها يفكرالشعب الليبي داخل سجنه الكبير, أنّ قيادته التى تصفها وسائل الإعلام هذه الأيام بأنها دخلت الى "الزريبة" الدولية, وأنها رجعت لأحضان شعبها الذى شرب وأرتوى منها, حتى الثمالة خلال كل هذه السنوات الطويلة الماضية, السم الزعاف.
عذرا للقارىء الكريم اثناء كتابة هذه الاسطر, إتصل بي احد اقاربي واخبرني هاتفيـًا بنبأ استشهاد زوج إبنة اختي الصديق الشهيد مصطفى الشريف الذى كان بارا بأبناء وطنه ووقف صامدا حتى الموت من اجل ما آمن به من قيم ومـُثل عــُليا, لم يتنازل عنها الى أن لفظ آخر أنفاسه الزكية مع بقية رفاقه الأبرار.
لــَيـْـتك يامصطفى, وكل شهدائنا الأبرار, الذين فقدناهم, زرافات, ووحدان, كنتم من أبناء دارفور, أومن مدينة صعدة اليمنية, أو من جنوب لبنان, اوحتى من جنوب السودان الوثني, لكانوا أهلكم وأبناء جلدتكم أخذوا بثأركم فهناك رجال صناديد أبـُاه لايرتضون الظيم, أمـّا نحن أهْـلكم الهالكون مـَائــِتـُون لانملك لكم سوى نصب الخيام لتقبل العزاء, ريثما تأتى"قصاعي الرز ومفاصل اللحم الوطني" فيا أسفي على وطني, فالموت حقّ, ولكن أن يموت خيرة رجالنا غدرا ليس حق بل هو الباطل بعينه.
هَـلْ"نحن" عربــًا بشـرًا حيوانات
فالذئبة حتى الذئبة تحرس نطفتها
وتـَعْتـَز بـِثـُقــْب الأرض
أمـّا "نحن" فلا تـَهْتز "لنـَا" قصبة
نـَـسـَبِي إليكم أيها الْمــُسـْتـَـضعَفون
وليـْسَ من مستضعفٍ في هذه الدنيا
إلا الكرامة [3]
جرت العادة, في الأعياد الوطنية, والدينية, في الدول المحترمة, بأنْ تقوم الدولة بتوزيع الهدايا, والعطايا, وتكريم مواطنيها. إنّ هدايا بابا نويل تـَعُـم جـُـلّ بيوت العالم المسيحي, أمـَا نحن, فبمناسبة إطلالة شهر رمضان الكريم, والعيد الأربعين لثورة الفاتح, يقوم "بابا معمر" بتوزيع شهادات الموت, والرعب على أطفال, وأرامل, وثكالى الوطن, بالمجان, وفي كل مكان.
وَكـُـلُ منــّا سـَلـَمـته القابلة
حين بكى في كفها
شهادة الوفاة
لا تطلب النار من البحر
ولا تستمطر الصخرة
إنّ هذه الأزمان عاهرة
عاهرة كبيرة
وليس كـُل من يطالها
إلا الذى يخلع فى حذائه
ضميره [4]
لـِزامـًا علينا نحن ذكور "الجماهيرية" (في الداخل والخارج) أن "نــَـخـْرِط" لـِحـَانا, و"اشناباتنا" ونضعها جميعا صاغرين موطأطىء الرؤوس, تحت أقدام حرائرنا الطاهرات أمهات, وزوجات, وبنات شهدائنا الأبرار, مـَعَ قـِلــّة قليّلة من الرجال الرجال.. الصامدين وحدهم بعد أنْ تخلى عنهم الجميع, في ميدان الشجرة ميدان العـزّة الكرامة, ومن يدرى؟ لعل الله يضع سـِـرّه في أضعف خلقه. خيام المآتم لن تتوقف, وليلكم الدامس لن ينجلى, ونهاركم العابس لن يبتسم ابدا, حتـى تهزوا بسواعدكم أوتاد الخيمة المزركشة الفارهة حيث تنبعث منها "القرارات التي تنعي لكم انفسكم".
إذا كان فى العمر بقية فللحديث عن الأحزان بقية
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] أمين الريحاني
[2] سميح القاسم
[3] مظفر النواب
[4] محمد الشلطامي
======================
استرسل معكم أيها الأحبة مواصلاً الحديث, عن أولئك الأصدقاء والذين باعدت بيننا وبينهم المنافي, والمسافات الطويلة, والقهر, والموت الذى لامفر منه, وكذلك ظلم ذوي القربى أخواننا فى الدم, والدين, والوطن, واللسان الذين جثموا على صدورنا بدون وجه حقّ, واستمرأوا إهانتنا, ومذلتنا جميعا بمحاولاتهم المستمرة, والمستميتة, في ترغيم أنوفنا فى المذلة والهوان, بيد أن جلّ رجال وشرفاء بلادنا, هيهات ان تركع جباههم لغير بارئهــــــا.
عـِفـْنا رفاة العيش فيك مع العدى وأبت لنا شيم النفوس وعـِزّنـا
أعود لرفقة أحبتنا الكرام ولكي لا أشطح فى ذكريات المنافى, واحزانه الخالدة, والموحشة, وما تعرضنا له من دسائس دولتنا, وقتلها للعديد من إخواننا الرافضين للظلم, في عواصم هذا العالم المترامى الأطراف, وكذلك دسائس بعض أعدائها المهاجرين من أدعياء المعارضة, فالكوازى كما أسلفنا سابقا لم يقتصر وجودهم على بنغازى وحدها, إن الكوازى فى كل مكان وزمان, وسأتطرق قريبا لبعض كوازى المنفى, وسوف ألقي عليهم قولا ثقيلا, فقد طالت سنوات الصمت, وحان حين البوح, وماذالك ببعيد, وإن غدا لكوازى المنفى قريب. توضيحا لا تلميحا, فالكازى كازى, ولو لبس طاقية الإخفاء.
جمعتنا احدى السهرات, فى مربوعة ونيس الفاخرى "بـِـزنقة" "تفاحة", ثاني أو ثالث أيام عيد الفطر عام 74م على ما أذكر, وكانت ثُلـّة من الأحبة, والصّحابا, فى تلك السهرة. كان من بينهم خليفة, والقزيرى, وأحمد الماقنى, ونجيب بوطلاق, وفوزى عامر, وعبدالرحمن بالتمر, ومحمدالغريانى, وعلي الشويب "العرفيـّة" وآخرين لم تسعفنى الذاكرة لذكر أسمائهم. كان الأستاذ احمد الماقنى من عشاق السيدة أم كلثوم, وكان خليفة مُغْرمـًا بالسيدة فيروز, وتجادلا الصديقان الحميمان, فأنبرى كل منهما فى تعزيز وجهة نظره. كان أحمد الماقني هادئا رَزينـًا ودُوْدًا في حواره, كعادته, ومدافعا عن صوت السيدة أم كلثوم, وكلمات أغانيها التى تنتقيها من فحول شعراء العرب, ثم حدثنا عن رباعيات الخيّام, وعن هذا الشاعر الفارسي بسلاسة وعمق, وكأنه احد أبناء جيله, ثم عرّجَ بنا على احمد رامي الذى ابدع فى ترجمة الرباعيّات, فبدت القصيدة, وكأنها قيلت بلسان عربي غير ذي عـِـوج, ثم حدثنا عن تاريخ معظم الشعراء الذين غنت لهم السيدة أم كلثوم, بإسهاب وإلمام تام مستشهدا بأعذب أبيات أشعارهم. كان الأستاذ الماقني موسوعة ثقافية يتحدث بإحاطة وعِلمٍ فيما يتناوله من حديث. كان خليفه يصغي بشغف لمحدثه الماقني, لكن شغف خليفة بالسيدة فيروز دفعه للحديث بإسهاب عن الصوت الملائكى حسب تعبيره, وموسيقى آل الرحباني التى ارتقت بالذوق الفني العربي, وتحدث بإطناب عن شعراء الشام الكبار, ورِقـَة شعرهم, وشعورهم المرهف, حدثنا خليفة فى تلك السهرة عن المبدع جبران خليل جبران, ومفرداته الساحرة, وكذلك سعيد عقل, والاخطل الصغير, وأسعد سابا, وإليا ابو ماضى, وشوقي, وقصيدته ياجارة الوادى, وبدوي الجبل, وإبن جبير, ورفيق خوري, وميخائيل نعيمه, ونزار قباني, وأبي نواس, وغيرهم من شعراء العرب الذين غنت لهم السيدة فيروز, وكان خليفة يستشهد بأبيات لكل هؤلاء الشعراء, بإلقاء رائع كصاحبه الماقني فى طريقة إلقائه للشعر العربي والعامي.
لم تكن تلك السهرة عادية بل كانت ندوة ثقافية ممتعة ختمتها تباشير الصباح, وقد غلب الجميع النعاس, وأستغرقنا فى نوم عميق. تلك أيام قد خلت ورحم الله الشاعر رفيق المهدوي حين قال:
تركنا لذة الدنيــــــــــا وما فيها من المتعـــــة
وأصبحنا بحمـــــد الله فى السجدة وفى الركعة
من البيت الى المسجد لا دخله ولا طلعـــــــــة
ذكرنا ما مضى منــــا فسال الجفن بالدمعــــة
فبادرنا الى نـــــــــدم لنـــا في عفوه طمعـــة
بعد وفاة السيدة أم كلثوم بعث خليفة بطاقة تعزية لأحد أصدقائه فى بنغازى, من مدينة طرابلس حيث كان يقيم هناك ويستعد للرحيل لمدينة كوبنهاجن يقول خليفة فى تعزيته لصديقه مازحا كعادته.
((عزيزي.........
"تعزيتي القلبية الملتهبة الشجيّة, فى وفاة كوكب الشرق, والغرب, الآنسة أم كلثوم, التي وافاها الآجل المحتوم, مساء هذا اليوم مخلطة النوم على النوم, فتبارك الحيّ القيوم, الذي نسأله أنْ يشفيك من هذا الشغف, ومن هذا الحب, لقد ظلت مطربة الجيلين, تصيح في كل حين, أروح لميـن, الى أن وقعت فى هذا الكمين, وقيل, والعهدة على الراوى أنها كانت تتمرن على لحن جديد, للمرحوم فريد, مطلعها إبعث رسالة و"بلاش رزالة" لك في شادية خير خلف لأحسن سلف, أرجو أنْ تبيع مـُسَجَلــَك الأنـْكـدْ قبل أن تموت فائزة أحمد, واخيرا عِـــــــشْ للحياة والحب ودُم"
اخوك جنقي))
إتصل بي خليفة من كوبنهاجن فى نهاية عام 79م تقريبا عاصمة الدينمارك, حيث عمل ملحقا ثقافيا, فى تلك الايام كنت والقزيرى نقيم بشقة متواضعة جدا بمدينة لندن . كان خليفة قد سمع بإفتتاح مكتبة الساقى العربية في لندن, وطلب مِنـّا أن نبعثا له كتاب "رسالة الغفران" لأبى العلا المعري, كـُـنّا فى تلك الفترة, في حالة فقر مدقع كالعادة, ولم يكن بالامكان تلبية مطلبه, وكانت صاحبة الشقة "الإيرلنديّة" تهدد بطردنا من شقتها لعجزنا عن دفع ايجار شقتها, لم نكن فى تلك الايام نعرف الضمان الإجتماعى البريطاني الذى يمد الفقراء, والمحتاجين, بما يقيم أودهم, فأتصلت بخليفة, فى كوبنهاجن وحولت المكالمة على حسابه الخاص, وطلبت منه أن يسعفنا بما يستطيع أن يقدمه لنا ماليّا, خلال أيام قليلة, وصلت الماعونة كاملة, وزيادة, كان مع الحوالة قصاصة ورق صغيرة, كتب في نهايتها: كنت أنتظر أن تصلنى رسالة الغفران, فوصلتنى منكما رسالة الإفلاس, وأنا أعرف أنّ الإفلاس يلازمكما منذ الأزل, وسيبقى معكما أيها الاحبة المفلسين إلى الابد.
فآه... وآه... مرة ثانية لاتكفي ياخليفة (فيا ألـْـفَ... ألـْـفَ... آه)[1]
"ما أطول الطريـــــــــــــق
وما أقلّ الــــــــــــــــــزّاد"
على رأى صديقك العراقي.
كان هذا الصديق العراقي لخليفة, هو الشاعر الكبير عبدالوهاب البيّتاتي, وفى احدى زيارته التى لــَبـّى فيها الشاعر دعوة خليفة لزيارة بلادنا, جَالَ خليفة بالبياتى فى عدة مدن وقرى ليبية, وفى احدى المدن التى قضي فيها البيّاتى يوما كاملا, يبدو أن تلك المدينة الصغيرة لم ترق للشاعر البيّاتى, فعلق البياتى قائلاً بصوته الوقورالهادى: ياخليفة لقد قضيت جـُـلّ عمرى من منفى الى منفى متشردًا, ولم اشعر بالغربة طيلة حياتي في كـُل هذه المنافي مثل ما شعرت به فى هذه المدينة الموحشة.
كتب الاستاذ خليفة مقالة, فى صحيفة الحقيقة أيام الحقيقة التى اختفت وأختفى معها الحق منذ ذلك الحين تحت عنوان "عيون الكلاب الميتة" شدّ البييّاتي هذا العنوان البليغ, لهذه المقالة فأستوحى منه قصيدته الشهيرة, فأستأذن من صديقه خليفة أن يطلق على احد دواوينه عيون الكلاب الميته, كما احتوى هذا الديوان على قصيدة بهذا العنوان, وقد كان خليفة سعيدا بإستعارة الشاعر لإسم مقالته كعنوانـًا لإحد اشهر دواوين البيّاتي, فى تلك المرحلة. لقد جمعت الحروف والكلمات التى منبعها القلب, والخالية من الرياء والنفاق, بين الرجلين الكبيرين, البيّاتى, والفاخرى وجعلت منهما جناحين لطائر نورس عملاق واحد يحلق فوق زُرْقـَة البحار وتحت سموات الله الرحيبة بكبرياء وثقة بكلماتهم المبجلة, والتى لم يتبارزوا بها فى مواسم النفاق, واسواق عكاظ, كما يفعل الكثيرمن فـُجّار الكلمة, وتجار هذا الزمن الردىء.
لا أريد ان ابتعد عن غراند هوتيل, وسكانه لكن كُـلما يـُذْكَرالبييّاتى, تفرض عليك كلماته الطاهرة أن تكتب منها ما تيسر, لـِيستَذكـِر أبناء جيلة تلك الايام المفعمة بحرية الكلمة وإنسانية البيّاتى, وكذلك للتعريف به للأجيال الجديده فى بلادنا الذين لم يعرفوا من شعراءالعرب إلا العزومي, والمداحون الذين يتقاطرون, و"يـُحَجِلون" رغم كثافة شواربهم الكـَـثـّة "إشنباتهم" التى يزعمون إنـها مهبط للصقور, بإستشناء الصقر الوحيد, الذى رفض الوقوف على "إشنابتهم" وداس على قلوبهم المريضة بحب التملق والرياء, هؤلاء الذين لا مبدأ لهم ولا رجولة, ولايملكون شيئًا إلا الطواف حول الخيمة الفارهة فَهـُم "كـَذُبَابات خريف... تذرع الاوجه فى ضيقٍ... وصمت وسعال"[2] من اجل بعض الدريهمات, وبعضهم من اجل "اللقاقة" فقط, وجميعهم يعرفون عن ظهر قلب أن "القائد" "إمزقط" ويعرفهم على حقيقتهم, وهم يعرفونه حقّ المعرفة, ولكنه كما يقال "من شبّ على شىء شَاب عليه" إليهم جميعا هذه الأبيات لرمز الكلمة الشريفة البيّاتي من قصيدته "المرتزقة" من ديوانِ شعره "عيون الكلاب الميته":
آه من عصر المماليك الجديد
ومن الصمت
ومن بوقات أشباه الرجال الميتين
من كهوف العالم السفليّ
من ارض الخطايا عائدين
رمـمـًا تزنـــي
على أرصفة الليل
تـُـغَنـي عربات الفاتحين
آه من محترفٍ يقتل بإسمي الآخرين
وعلى الأعتاب يصطاد حمامات القتيل
قاتلاً يشحذ آلات الطواغيت, أجير
يرتدى عار المخانيث
ويستجدي على باب الأمير
رافعا كل الشعارات التي تكنسها الريحُ
على أرصفة الليل الضرير
ومناحات الجواري والعبيد
جفت الآبار فى الدرب إليها والدموع
ليسمح لي القارىء الكريم لأنتقل به الى موضوع آخر, وهو ليس ببعيد عن الشخصيات التى ذكرتها فى هذه الحلقة, والحلقة الى سبقتها, سأحدثكم عن موضوع أطلعت عليه فى احد المواقع الليبية بالخارج, وهذا الموضوع للأستاذ الفنان السيد فتحى العريبى, فالأستاذ فتحى العريبي, يعتبر احد رواد فن التصوير فى مدينة بنغازى, ولمن يرغب فى الاطلاع على هذا الموضوع فهو معلن فى موقع ليبيا وطننا بتاريخ يوم الاحد27 يوليو2008 م, ويبدو أن هناك خطأ مطبعي فى التاريخ حيث ان معظم الرسائل فى ذلك اليوم هو يوم الاحد27 يوليو2009 م وليس 27 يوليو 2008م وعنوان الموضوع هو "متحف الصور الليبية" وسأنسخ التعليق حرفيـًا من المصدر ذاته.
Benghazi Vittorio Veneto Street" Via Vittorio Veneto"
شارع: فيتوريو فينيتو
(now Gamal Abdulnasser St.)
1940-1950
الشارع يعرف حاليا باسم: شارع جمال عبد الناصر، باقتراح من الأديب القدير الأستاذ: الصادق النيهوم.
هنا ينتهى الإقتباس.
ما يلفت الانتباه هنا أن هذا الشارع يحمل اسم شارع الإستقلال منذ السنوات الأولى للإستقلال المجيد, وقبل الاستقلال كان يسمي بالإسم الإيطالي الذى تفضل بذكره الاستاذ فتحى العريبى, ولعل الاستاذ العريبي قد خانته الذاكرة لأنه يتحدث عن قرابة سِتَـة عقود, فلم يذكر إسم هذا الشارع حسب تسلسله الزمني منذ الإحتلال الفاشي حتى يومنا هذا, لكن الشىء العجيب الذى ذكره الاستاذ الفنان, هنا يجب ان نتوقف قليلا عند هذه التسمية, اذا كان بالفعل صاحبها الصادق النيهوم, وأنا هنا لا أشك مطلقا فى معلومات الاستاذ فتحى العريبى, إذ انه احد اصدقاء الصادق, وهو من ابناء المدينة ايضا, وله علاقات متشعبة, بحكم عمله فى مجال التصوير, والاعلام.
اما بالنسبة للأديب الصادق, فمن حقه الإنساني أن يطلق ما يحلو له من أسماء على ما ملكت يمينه ويساره من أبنائه, وكتبه, ومقالاته, ومقر إقامته فى المدينة السياحية فى طرابلس, وكذلك لا يلومه احد لو سمى مقر سكناه فى منطقة "إيرلسكورت" بلندن أو مقر سكنه فى جنيف او زيورخ تلك البيوت البهيجة, والتى زاد بهجتها وأناقتها عـُوْد الفنان محمد حسن, وترانيمه, مع بقية أعضاء فرقته, ولانشك ابدا في امكانات الصادق الادبية فهو احد المميزين فى بلادنا ولا أغالي ان قلت فى الوطن العربي, وفي الوقت نفسه لايحق للصادق أن يغير اسم شارع يحمل معنى ورمزا كبيرا دفع فيه الشعب الليبي ثمنا باهضا من الدماء الطاهرة الغزيرة, فمن اجل هذا الإستقلال المجيد أبـِيد نصف سكان ليبيا, وَعُـلِقت آلاف اعناق الرجال, وكذلك النساء, على اعواد مشانق الفاشيست, فى كل شبرمن قرى, وواحات, ومدن بلادنا ليبيــا التى تسمى الان بالجماهيرية العظمى, فقد تعرض الشعب الليبي للهلاك, فى معسكرات الإعتقالات الجماعية, فى البريقة, والعقيلة, والابيار, وفى الكثير من المناطق فوق التراب الليبي , فقد أبـِيّدت عائلات عن بكرة ابيها من أجل الإستقلال, وهاجر الالاف من حيف وظلم الفاشيست للدول المجاورة, وذاقوا عذابات المنافي, والتشرد التى لم يعانيهاولم يذق طعمها المرحوم الصادق, الذى عاش مترفا ذا حظوة خاصة رحمه الله. لقد مَـهَـر الشعب الليبي هذا الاستقلال بعذابات, وتضحيات, واحزان مؤلمة لايزال يعاني من أثارها حتى يومنا هذا. فكيف يستكثر علينا المرحوم الصادق ان يسمى احد شوارعنا بإسم شارع الإستقلال؟.
إنّ تسمية الشوارع ليست من إقتراحات ولا من مهام كاتب مرموق مثل الصادق, فهذه مهمة البلديات وإدارة تخطيط المدن. فيا لخسارتنا فى الصدق والصادق.
بعد قرابة عقد من الزمن على وفاة المرحوم الصادق أطلق إسمه على مكتبة عامة فى مدينة بنغازى, إسوة بأحمد مصباح الورفلي سىء الذكر. (وبالتالي كما يقول مثلنا الشعبي: "اضرب هالعصبانة" يا صادق).
سنرجع يوما الى حَـيّـِنا في منطقة "ايرلسكورت" وسأعود لـِذكـْر الصادق حيث لنا معه بعض الحكايات, عندما كان يعمل في مركز "المختار" فى مدينة لندن عاصمة المملكة المتحدة, "رباية الذايح" بحق وحقيقة.
يوسف كويدير احد أبناء مدينة بنغازى, رياضيًا محترفا فى رياضة الملاكمة العنيفة هاجر فى اواخر الستينات الى بريطانيا, ثم غادرها الى الولايات المتحدة, هناك بأمريكا مارس هوايته, واصبح محترفا, ونال الكثير من أوسمة, وميداليّات لبطولات الملاكمة, فى احدى الولاية الامريكيه, فى منتصف السبعينات شده الحنين والشوق لموطنه, ورجع عائدا الى بلاده, يوسف بالرغم من انه شرسا وعنيفا فى الملاكمة, إلا أنه رجل يحمل فى داخله براءة الأطفال, وعفويتهم, لم يطب له البقاء في أرض الوطن فقرر الرحيل ومحاولة الهجرة مرة ثانيا, يوسف تربطه علاقة وطيدة بخليفة الفاخرى, منذ الطفولة, وعندما قرر الرجوع الى امريكا, توقف بمدينة كوبنهاجن حيث يقيم خليفة هناك. كان ذلك تقريبا فى عام79 م على ما اذكر, وبقى عدة ايام ببيت خليفة, فى هذه الايام كان الشاعر عبدالوهاب البيّاتي فى زيارة لخليفة وكان يقيم معه فى بيته, إلتقى البيّاتى بيوسف, وعرف البيّاتى أنّ يوسف كويدير ملاكم محترفا, ويرغب فى الهجرة من الجماهيرية, إلتفت الشاعر عبدالوهاب مخاطبا خليفة قائلا: غريب امر بلادكم هذه ياخليفة إنّ ثورتكم يزداد عنفها من يوم ليوم, وان فلسفة دولتكم تقول إن الأقوياء هم الذين يحكمون فكيف يهاجر منها احد أبطال الألعاب العنيفة؟
مازلت معكم فى شارع ادريّان بلت ولم تنتنهى بعد حكايات ساكنيّ غراند هوتيل المقيمان فى الغرفة211 والغرفة 139.
"الثمن الذى يدفعه الطيبون لقاء لامبالاتهم بالشؤون العامة هو أن يحكمهم الاشرار" |
|
افلاطون |
إذا كان فى العمر بقية فللحديث بقية بإذن الله ودمتم أيها الأحبة بخير...
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] [2] من قصيدة للشاعر محمد الشلطامى
===============
بنغازى وعبث الكوازي (الحلقة االرابعة عشر) فتح الله ابزيو |
|
|
قبل الشروع فى الحديث عن شارع إدريّان بلت, لا أجد مناصًا من الحديث عن مبنى, فى مدخل هذا الشارع, فالمبنى جميل ينبىء بأنه من عمل فنان معمارى رفيع المستوى, ولـِيّ مع هذا المبنى حكايات وذكريات, لازالت تداعب خاطرى, وظني كلما جالت بخيالي تبعث فى داخلى أشجانــاً, وأحزانـًا لم تفارقني حتى يومنا هذا, رغم مرور السنين الطوال على تلك السنوات التى خَلت... هذا المَبْـنى يحمل إسم غراند هوتيل. كان إثنان من أصدقائى, قد إتخذا من هذا المبنى سكنـًا لهما, فأحدهما كان نزيلا بالغرفة 211 من الطابق العـُلـْوِى, أما الصديق الآخر, فقد سكن الغرفة 139 إن أسعفتنى الذاكرة, فقد كان فى الطابق الذى يسبق الغرفة 211... كان ذلك فى الفترة مابين عام 71م الى عام 76م تقريبا. سأتوقف عند هاتين الغرفتين لـِسَرد بعض الحكايات عن هاذين الصديقين العزيزين.
هذا الوقت كانت تمر بلادنا بهستيريا حملات التعريب, والتغريب, والتخريب, والتجهيل المتَعَمد "على قدمٍ بدون ساق" على حد تعبير صديقنا نزيل الغرفة 139, فقد عـُرِّبت كـُل الأسماء الاجنبية فى وطننا لنُثْبِت لأِنْـفـُسِنـا والعالم أننا من سلالة بني عدنان اليَـعـْرُبي, وتم التعريب على نحو فجّ, وغير مدروس, أسْتبعِد عنه أصحاب الإختصاص ممن هم أهْـل لذلك, لم ينج من تلك التجربة الفاشلة حتى "الساندويتش" فقد عُـرّبَ الى إسم "شاطر ومشطور وبينهما طازج", وَلـْيـَتَخيل القارىء الكريم الذى لم يعاصر تلك الفترة, وهـو ذاهب لأحد المطاعم الشعبية كمطعم سى خليفة أو سي زايد فى شارع الرعيض, أو مطعم بوعشرين, أو مطعم بوذراع أو أى مطعم من مطاعم مدن بلادنا المترامية الاطراف ويقول لصاحب المطعم إعطني (شاطرومشطور وبينهما طازج) بدلا من أن يقول له إعطنى "نص بالتن" او "نص بالكبدة" مجرد سؤال افتراضي, وأريدك أن تتخيل معي ماذا سيكون رد صاحب المطعم عليك بعد هذا الطلب؟ ثـُم إحتفظ بالاجابة فى سِرّك سلمك الله؟ حتى لا يغضب منك الدكتور "إخشيم" وخاصة ونحن مقبلون على شهر رمضان المبارك الذى سـَتـَهـِبُ فيه اذاعاتنا المرئيّة الموقرة, نصف ساعة تكون قبل الإفطار مباشرة, وكأن إذاعتنا ترغب فى إزعاجنا ومعاقبتنا على اداء فريضة الصيام, فالدكتور "إخشيم" قد دسّ (خشمه) فى كُل الاشياء, وبدون إستحياء. دعونا أيها الأحبة من هذا (الخشم) الذى فقد حاسة الشم, ولم يـَعد (يَشم إلا رائحة الدولار وتذاكر السفر المجانية في الدرجة الخاصة) التى تـُوْصِلـْه الى موطن "الشيخ زبير" بدون نَـصـَب أوكـَـدّعلى نفقة المجتمع الجماهيرى السخي, لقد طالت حملات التعريب حتى سيىء الذكر كيسينجر وزير خارجية امريكا السابق, الذى أصبح يطلق عليه إسم مفتاح الغناى بعد أن عـَرّبـَه "سـُرّاق الجمل بـِمـا حمل".
تواصلت حملة التعريب هذه, وقادها الأميون, والإنتهازيون, و"المتشعبطون" أصحاب المصلحة الحقيقية فى جعل بلادنا فى مصاف الدول "النائمة" والتى تَغط فى نوم عميق, لـِيَسـْهـل عليهم نهب البلاد, وتجهيل العباد, فقد طالت حملة التجهيل هذه كـُل ما وقع فى طريقها, وبـِلا إسـْتـِثـْناء, فَعـُرّبَت أسماء السيارات التى إبتكرها, وصـَـدّرَها, وعَبـّـدَ طرقاتها الإنسان الغربي الحُر, تلك السيارات التى ساهمت حوادثها الأليمة مع قيادتنا السياسية الحكيمة, في مآسينا التى لم تتوقف بعد.
تلك الايام, بدأ الثوار الجدد بإحكام قبضتهم الحديدية, واصبحت انفاس الناس تعد وتحصى, وأخذ الحكم العسكري يكشر عن انيابه الحادة, ويفرض ارائه بقوة الحديد والنار, وتساقط الكثير من المثقفين, وألتف حول "الطروح" والأطروحات الجديدة الكثيرمن الناس الذين كانوا محسوبين على التيارات الوطنية, خوفًا, وطمعا, وفقًا لسياسة الترغيب والترهيب, وَزُجّ بالكثير من الشرفاء الوطنيين, فى غياهب السجون ظلماً, وعدوانًا لاِبائـهم الإنصياع لترهات, وإغراءات الملهم الذى ينطق عن الهوى, وَجَـرّ البلاد الى هاوية سحيقة. هذه الفترة بدأ شعار "الفاتح تغيير خطير" فتخلخلت كل مكونات الدولة, ولم تـَنـْج أية مؤسسة أو دائرة حكومية, من هذا التغيير الخطير حقًا, فعلى سبيل المثال لا الحصر أورد هذا المثل الصغير الذى له مدلوله العميق.
تم إستبدال "اوتوبيسات" الشركة البرقاوية للمواصلات العامة, التى كانت تستورد من ألمانيا الغربية آنذاك, وكانت تخضع صيانتها بالكامل لخبراء ألمان, بمستودعات خاصة فى المدينة, وفجأةً وبدون مقدمات, أثناء مراهقتنا الوحدوية. رأت حكومتنا الوحدوية الرشيدة, إستبدال الذى هو خير بالذى هو أدنى, واتخذت قرارا يتماهى مع سياستها الوحدوية الفاشلة, وأستبدلت أوتوبيسات الشركة البرقاوية للمواصلات المصنوعة فى المانيا "بحافلات" زُعـِـمَ أنها صناعة مصرية, كانت تلك "الحافلات" من الـزّنـْك الردىء الذى جُمـِعَ من نفايات مصانع أوروبا الشرقية آنذاك, وَرُكـِبَــت فى مصانع مصر, وحَمَلت تلك "التاناكات" المتحركة بِبطء إسما عـُرُوبيـًا ماركة (نصر) نكاية فى الإستعمار الذى هزمنا, لم تـُعَمّر هذه "التاناكات" طويلا, وسرعان ما أعـْتـَلاها الصدأ, وتوقفت فى وسط الطرقات العامة مشوهة وَجـْـه المدينة, وشاهدة على بداية اهدار المال العام, وعلى نزق سياسة تلك المرحلة الفاشلة. فكل ذلك لايهم, فمن اجل الوحدة العربية, فلتتوقف كُلّ الحافلات, وَلـْيـَتـَوقف معها الزمن, فما يهم قيادتنا هو استمرار اضغاث أحلامها الوحدوية, ويستمر معها نشيد المطرب المصرى محمد قنديل, الذى أصّـم آذان أبناء ذلك الجيل, بنشيده الحماسي.
وَحـْـدَه مـَا يـَغـْلـِبـْها غَــــــــــــــــــــــــــلابْ
تُـوَصِلــْنــــــــا مِنْ الباب للبـــــــــــــــــــاب
وَلا حـَــــــــاجـِزْ ما بَـيـْن الإثــْنـَيــــــــــــَــن
أنا واقف فوق الاهرام وقدامي بساتين الشـام
فقد كان هذا المطرب التعس يحلم ببساتين الشام الغَنـّاء التى إلـْتـَهمها الأسد المفترس وأولاده الكرام. بعد ذلك بقليل دخل على الخط الأخضر الأستاذ محمد حسن, وأصبحت الإذاعة والتلفزيون الليبي كأنها إرث ورثه الأستاذ محمد حسن عن أجداده رحمهم الله, ومنذ ذلك الزمن البعيد والأستاذ محمد حسن يدلو بدَلوه المثقوب, فى هذه المسيرة الفنية المليئة بالعفونة وفن الإسترزاق.
أتوجه بحضراتكم الى غراند هوتيل الذى عـَرّبـَهُ "الوحدويون" بإسم "الفندق الكبير". كان نـَزِيلاء الغرفتين يجيدا اللغتان العربية, والإنجليزية معا, وكانت هذه الترجمة الحرْفيّة مبعث تهكمهما, وسخريتهما, واستغرقت, وقتا طويلا بينهما لمناقشة تعريب إسم غراند هوتيل حيث يقيمان, وأصبح إسم الهوتيل بعد تعريبه يعرف "بالفندق الكبير".
نزيل الغرفة رقم 211 قال لصاحِبه "إنّ الترجمة الصحيحة لهذا الإسم يجب أن تكون الفندق البهيج أو الفندق الفاخر فما رأيك يا إحميده؟" ردّ نزيل الغرفة رقم 139 ساخرا, "مادامت الترجمة وصلت لهذا المستوى كان افضل لهم ولنا نحن نزلاء هذا المكان أن يـُعـرّب" بالفندق البلدى أو فندق الـسّـعـْي". ضحك جميع من كان فى الغرفة تلك الليلة.
كانت تلك السنوات مـُوْغـِلة فى العتمة, وتعرض خلالها الوطن, والمواطن لتجارب قاسية مريرة, وشاذة, لم يألفها أى شعب من الشعوب التى نالت إستقلالها, على الاقل فى النصف الثاني من القرن العشرين, فى تلك الايام أطلت علينا أشياء ما سمعنا بهـا فى آبائنا الاولين, فبعد التعريب بشهور معدودة تفجرت الثورة الثانية, بقيادة نفس الصاعق الاول, وسُمـِيّت, بالثورة الثقافية, هذه الثورة الثقافية ألغت القوانين, وأطلقت العنان للرعاع, والجهلة, والدهماء, ولكل من إحترف وآجاد من أين "تؤكل الكتف", فى هذه الثورة الثقافية أحرقت الكتب, وتم تفريغ المكتبات العامة, والخاصة من محتوياتها النفيسة, وأحرقت فى الميادين العامة.
كانت جامعة السيد محمد بن على السنوسى, التى سميت فيما بعد بالجامعة الإسلامية, هى أكثر المتضررين من حملة هولاكو الجديد, فقد حرقت, ونهبت محتوياتها من أمهات الكتب التاريخية. ففى تلك الفترة المخجلة للجميع, فـُرّغـَت كـُل دُوْر الكتب فى جمهوريتنا الوليدة, قبل أن تتحول الى جماهيرية شعبية, من جميع الكتب والمراجع, ولم يبق فى هذه الدُّور إلا الكتاب الاخضر بأجزائه الثلاثة, وكذلك كتاب طعامنا, وتاريخنا, برؤية المرحوم الصادق, وأثناء هذه الثورة الثقافية تم حرق جميع الآلآت الموسيقية الغربية وفى الميادين العامة, ومايثير الإستغراب أنّ نشيد الدولة الرسمي الذى أستوردناه, من الشقيقة الكبرى مصر يعزف حتى يومنا هذا بالآلات الغربية.
لم تنج من محرقة الآلات الموسيقية إلا "الدرابيك" و"البنادير" التى اجاد بعض إخواننا "البندارة" إستعمالها جيدا فتبوأوا بمهارة "الدرباكة" و"البندارة" التى تهواها حكومتنا أعلى المناصب السيادية فى بلادنا, التى تاهت, وتُهـْنا معها بسبب هؤلاء, فيا حَسـْرَة على البلاد, والعباد.
الان يسمح لي القارىء الكريم لأحدِثـهُ عن ساكني الغرفتين, فالغرفة رقم 211 سكن فيها خليفة الفاخرى, وخليفة الفاخرى لمن لا يعرفونه من أبناء الجيل الجديد هو أحد أبناء ليبيا, وتحديدا إبن مدينة بنغازى, أمّـا الغرفة رقم 139, فقد كان يسكنها محمد حسين القزيرى, أحد أبناء ليبيا أيضا وتحديدا إبن مدينة درنه, والذى عاش كل سنوات شبابه, فى مدينة بنغازى التى أحبها الى درجة العشق ثم هاجرقـِسْرا فى النصف الثانى من السبعينات الى لندن.
ابدأ معكم أيها الاحبة بالحديث عن خليفة الفاخرى الإنسان, الذى اعطاه الله ملكة محبة الناس جميعا دون إستثناء فعاش طيلة حياته من اجل كل الناس, ومن الاشياء الغريبة عند هذا "الخليفة" ان اى إنسان يتعرف عليه ينتابه شعورا بأنه اقرب الناس لقلب خليفه, وهذه مـَلـَكـَة يتمتع بها الفاخرى دون الكثير من خلق الله, فقد كان يحمل بين ثناياه المحبة والصدق, والوفاء, هذه هى فِطـْرة خليفة التى فطره الله عليها.
خليفة الفاخرى أحد أدباء بلادنا الكبار, وكلمات الفاخرى عـَبْر تاريخه, فاخرة كإسمه, فالفاخرى لم يتاجر بكلماته, ولم يزوّق الباطل, ولم يكن بائع أحجبة, بعد إستيلاء العسكر كتب فى صحيفة الحقيقة فى اول عدد صدر بعد الإنقلاب مباشرة مقالة سأحاول ان أتذكر ما جاء فيها كانت المقالة بعنوان "الى شمس سيبتمبر" يقول الفاخرى فى احدى فقرات هذه المقالة (أرجو أن لايتحول هذا الانقلاب الى مجرد دكان قد غـَيّرَ يافطته ويحاول بيعنا بضاعة قديمة فاسدة ورديئة) كان الفاخرى ينحت كلماته المباركة فى قلوب الناس مباشرة نحتا, لم يكن هـَمـُهُ جَـاه أو مال, او إسمًا, ليتصدربه عناوين الصحف الصفراء, وليقول للسلطان نحن هـُنـا, "لله يا مـُحـْسِنين" كما يفعل "المتسولون" بالكلمات فى عصور الزيف "والزنا بالكلمات" لم يقل للسلطان لا تنسانا من وِدّك وعطاياك, لقد إحترم خليفة الفاخرى الكلمة فأحترمته كل الكلمات, بإختصار هذا هو "جـَنـْقي" وجنقي لقب أطلقه عليه والده سي محمد الفاخرى, ولمن يريد حكاية هذا اللقب فليرجع لكتاب صديقه الاستاذ محمد عقيله العمامى الذى كتبه عنه, وسيجد الكثير من المعلومات حول الاستاذ خليفة الفاخرى .
هذه المقدمة البسيطه عن خليفة الفاخرى لا تعطيه حقه, وليسمح لي أحبائه الكثر اللذين لا استطيع ذكرهم جميعا لكثرتهم ولعدم إعطاء "هذا الخليفة الفاخر" حقه كما يجدر بمكانته الرفيعة, فبإختصار انا لست كاتبا فما أسطره مجرد خواطر تراودني بين الحين والاخر عن بلادي وأبنائها الكرام, فتقبلوا أسفي, وأصدقوني القول, وسأحاول فى هذه الحلقة التى ستكون طويلة بعض الشىء راجياً من القاريء الكريم ان يعذرني إن أطلت عليه.
عام 72م ميلادى تقريبا, قرر مجلس قيادة الثورة آنذاك إنشاء عددا من الشركات العامة الكبرى, احدى هذه الشركات الجديدة حملت إسم الشركة الوطنية لصيانة وإنشاء الطرق والمهابط, وترأس مجلس إدارتها المهندس محمد صالح نصرت, وهو ذو كفاءة عالية فى إنشاء الطرق والكبارى, والمطارات وخريج احدى اشهر الجامعات الامريكية فى هذا المجال, وكان الاستاذ محمد الشوبكى رحمه الله, والأستاذ سعد بوغزالة عضوي مجلس ادارة فى هذه الشركة, وقد صمم هؤلاء الرجال الثلاثة, على جعل هذه الشركة مميزة, خاصة وأن الدولة وعدت بأن تكون ميزانية هذه الشركة كبيرة, فقررت إدارة الشركة ان تكون لها معسكرات على بـُعـْد كل مئة كيلو متر للعمل, وعلى طول الشريط الساحلى الممتد من مدينة بنغازى الى مدينة طرابلس, وكان من نصيبي أن اكون احد موظفي هذه الشركة ومقر عملى فى مدينة اجدابيا, وإجدابيا هذه هى بوابة الصحراء الكبرى, وهذه المدينة الصحراوية خالية من كل مقومات الحياة, وأجزم ولا أرجح بأنها منسية عَمـْدا, ولم تحظى بأى اهتمام, ففى هذه المدينة لا تجد ما تُشِيْدُ به سوى أهلها ذوى الأصالة, وشيمتهم الصبر, والطيبة, وحُسن المعْشر, والكرم, والذّود عبر تاريخهم المشرف عن مدينتهم ووطنهم. احد الايام تفتقت ذهنية" الرائد الركن جلود" الذى رُكـِنَ فيما بعد, واجتمع برجال الحكم المحلى وبعض مشايخ مدينة اجدابيا, واقترح عليهم أن ينقل سكان إجدابيا الى الحاضرة بنغازى, بحجة أن إجدابيا مدينة جدباء لازرع فيها ولاماء. هكذا تحدث الرائد المركون جلود, بفصاحته الغير واضحة كعادته أثناء خطبه الكثيرة المضحكة, قبل أن يـُرْكَن الرائد الركن والى الأبد. كانت لحظة نزق ثورية وَسُكْرٍ, أصيب بها هذا العضو. الذى بـُتر فيما بعد, وأرتاح الليبيون من تأتأت لسانه, ورداءة بيانه, فقد "تقيأ" هذا العربيد الأخرق على سكان هذه المدينة العظيمة بجهالة متناسيًا إرتباط الإنسان بموقع رأسه ومدينة اجداده, وقف احد أبناء المدينة الشرفاء مخاطبًا هذا "الركن" قائلا: "إنّ هذه المدينة التى لا تروق لك موجودة بأهلها منذ ان خلق الله الأرض وماعليها وستبقى كذلك الى أن يرثها الله وما عليها, وأضاف إبن إجدابيا الأبـيـّة مخاطبا العضو الفاشل قائلا إن الثورة منذ إطلالتها لم تبني لنا سوى مدرسة إبتدائية, ومستوصف طبي صغير لايُلبي حاجاتنا, ومركز بوليس, وإدارة إستخبارات, فأقترح عليك ان تأخذ مستوصفكم, ومدرستكم, ومركز بوليسكم, وإدارة مخابراتكم, ودعونا نعيش ونموت فى ارض اجدادنا".
الشىء الغريب العجيب أن كل ملايين, وبلايين الدولارات التى صرفت بحق, ودون وجه حق على مشاريع حقيقية, ومشاريع وهمية, ومن تعويضات بالبلايين لضحايا الطائرات التى أتهمت قيادتنا بتفجيرها, وكذلك "كاباريهات" ألمانيا, أيام نضال "ابى نضال" وامثاله من المجرمين, وكذلك المدن, وبعض ناطحات السحاب التى أنشئت فى افريقيا, ومشاريع انشاء سدود المياه فى الأردن, وبناء مدينة المختار فى تونس, وكذلك الأبراج السكنية, والمدن الرياضية فى سودان عمر البشيرالذى يطارد الان من دار فور الى " دار خالته " بعد جرائمه فى بلاده, وكذلك بعض المشاريع الضخمة التى أنشئت فى الشقيقة الكبرى التى لا تشبع ولا تحمد الله ابدا, تلك المشاريع التى سجلت بأسماء أشخاص وليس بإسم الدولة الليبية.
إنّ كل تلك البلايين, والمليارات درّها ضَرْع إجدابيا المدرار, وماجاورها اضافة الى المليارات التى نهبت وسرقها, وهرّبها خارج الوطن كبار, وصغارالموظفين المرتشين, فمدينة اجدابيا, وما جاورها هى الضرع السخي, والمليء بالخيرات, وللأسف لم تنل منه إلا النفايات, و"دخاخين صوندات النفط الهادرة" التى لوثت بيئتها وزادتها فقرا وحرمانا. لم يكن الفقر والحرمان والعازة من نصيب إجدابيا فقط, بل طالت كل هذه المصائب مدننا واهلها, وهنا استذكر طيب الذكر طيب الله ثراه الشاعر علي الرقيعى فى ديوان اشواقه الصغيرة مخاطبا وطنه بهذه الابيات:
ماذا أخبر عنك هَلْ تـُجـْدى وسيلة
ياجنـّة الغرباء, يامثوى طفولتـِنا الجميلة
ماذا وخيرُكِ يا بخيلة
بدّدْتـِه للريح... خيْرُك يابخيلة
يا من يُـعذِّب حبّـُها قلبى وما بيدىّ حيلة
فلعلّ فى عينيك رحمه
ولعلّ يا بلد الهموم, لعل ضرعك فيه قطره
لأِبـُل هذا القلب, كى أشفـِى غليلة
يا مرفأ الغرباء لو تدرين أىُّ يدٍ ثقيلة
ما زلت أؤمنُ أنّ فى عينيك رحمة
مهما قَـسَوْتِ... ففى دمى تجرى أمومـَتُكِ الجليلة.
إن مدينة إجدابيا والإمارات العربية يتشابهان, فى الطبيعة الجغرافية, وفى الثروات النفطية, وقد يفوق نفطنا فى ليبيا نفط الإمارات العربية, غزارة, وجودة, وقربا من شواطىء الدول المستوردة, لكن وجه الإختلاف بيننا وبين الإمارات العربية حكمة الحكام فقط.
اعود بحضراتكم, الى الشركة الوطنية العامة للطرق والمهابط, فقد رأت إدارة الشركة نـقـْـلى الى معسكرها فى منطقة العقيلة, وبقيت هناك حوالى ثمانية أشهر, ثم رجعت الى المكتب الرئيسى فى بنغازى. كان فى تلك الفترة الكثير من الشباب الذين يعملون فى مكاتب, ومعسكرات هذه الشركة اذكر منهم فتحى الزروق, وحسن البكوش, وفرج التاجورى, وسى خليل عامل المقهى, وفوزى عامر, ونجيب وفاروق بوطلاق, وفتحى الصقر, ومصطفى سعيد, وونيس الفاخرى, ومجموعة اخرى من خيرة أبناء الوطن. وما يثير الإستغراب أن شركة الطرق والمهابط لم تنجز أى مطار رغم ميزانيتها الضخمة, ورغم مرور قرابة اربعة عقود من الزمن على إنشائها, واصدق شاهد على ما أقول "براريك" مطار بنينة التى مازالت قائمة الى يومنا هذا, لم يكن العجز من الشركة, ولكن تدخّل القرار السياسي هو الذى جعل بنغازى وبقية مدننا بلا مطارات حديثة كالتى موجودة فى بلدان الاخَرين, والتى أنشئت على حسابنا.
كان مقر معسكر شركة الطرق والمهابط فى منطقة العقيلة, فى نفس المكان الذى سيّجه الفاشيست أيام الاحتلال, وحجز فيه الفاشيست قرابة مئتين وثمانين ألف إنسان لقطع مصادر التموين عن المجاهدين فى منطقة الجبل الاخضر, لم ينج من هذا المعتقل ويخرج حيًا إلا عشرة آلاف فقط, وكان معظم الناجين قد خرج منهكا ومصابا بجميع امراض معسكرات الاعتقال الجماعية, فقد أُبيّدت عائلات بأكملها, ولم يقام حتى يومنا هذا نصبًا تذكاريـًا من قبل حكومتنا لتخليد ذكرى شهدائنا الأبرار, رغم الزيارات المتكررة لبرليسكوني اخونا فى الرضاعة الجديد, وحفيد موسلينى صاحب هذه الجريمة النكراء فى حق الإنسانية فى بلادنا. دَوّنَ احد الناجين من هذا المعتقل, وهو الشاعرالشعبى رجب بوحويش رحمه الله... تلك المأساة الكبيرة, بملحمته الشهيرة الخالدة التى تقول بعض ابياتها:
مابي مرض غير دار العقيله
وحبس القبيله
وبعد الجبا عن بلاد الوسيله
ما بي مرض غير ضرب الصبايا
واجلودهـن عرايـا
بعد رجوعي من جوف الصحراء حيث كنت أعمل ما بين معسكري إجدابيا, والعقيله التابعتين لشركة الطرق, والمهابط, إستقبلني أصدقائي هناك, وخَلــَعَ عليّ خليفة لقب "أمير إجدابيا", وأضاف صديقنا القزيرى المشهود له بخفة ظله, وسرعة بداهته قائلا: نعم يا خليفة إنه أميربدون إمارة .
كانت أيام مؤنسة برفقة هاذين الرجلين المميزين, ومن خلالهما تعرفت على معظم اصدقائهم الجيدين, وهم كثر, تلك السنوات إمتزجت بالعسف والإضطهاد, والرعب الغير مبرر, وبدأت تباشيره تلوح فى الأفق, بيد أنّ صحبة الفاخرى, والقزيرى, وأصدقائهم الجيدين, قد خففت علينا جميعا, وطأة احزان عاشها الوطن وعشناها معه, وبالرغم من تلك السنوات العجاف, فلازلت أحـِنّ لبلادي, ولتلك الذكريات الخالدات مع الراحلين الكريمين الفاخرى, والقزيرى, وبقية الأصدقاء, ممن بقي منهم على قيد الحياة, أولئك الرّجال الذين حفروا فى ذاكرتي أجمل المعاني النبيلة, أطال الله فى اعمارهم جميعا, ولا يُعـَبـّر عن شوقـي لتلك البلاد ورجالها إلا " شوقي " الذى قال:
كأنّ الـْقَلـْبَ بَـعْدُهُمُ غَريبُ إذا عاَدته ذكرى الآهل ذابا
ولايُنْبِيك عن خُلـْقْ الليالى كَمَن فقد الأحبة والصّحـابا
بعد خِطاب زوارة 73م وتحديدا فى شهر أبريل الذى أصبح موسما سنويًا دمويًا, تخشى فيه كـُل الأمهات على فلذات أكبادهن, والزوجات على بعولتهن, والأطفال على أبائهم. أصبح هذا الشهر كابوسًا لهول الفواجع, سالت فيه دماء, ودموع غزيرة لأِبناء هذا الوطن المنكوب.
إحدى هذه الليالي الحالكة السواد, فى هذا الشهر غير المبارك, زُجّ بخيرة أبناء الوطن, من شرقه, لغربه, الى جنوبه, وغصت سجون, ومعتقلات ليبيا بأبنائها الكرام. تلك الليلة الليلاء توجهت الى خليفة الفاخرى, ومحمد حسين القزيرى, الى غراند هوتيل, وجمعت كل ما بحوزتهم من كتب, ثم إتجهت برفقة خليفة الى منزل والده الحاج محمد الفاخرى المقابل لمقبرة سيدى حسين الموحشة, وجمعنا كل كتبه فى صناديق من الورق المقوى "كراطين" ورجعنا بخليفة الى غراند هوتيل, وكان برفقتنا حمدى بوبيضه الذى كان يقود السيارة, ثم اتجهت مع حمدى بوبيضه حيث اخفيت الكتب فى بيتنا, ثم طلبت من الصديق حمدى أن يرجع بي الى غراند هوتيل, فى شارع إدريّان بلت, وعندما اقتربنا من سينما النهضة, والتى ليست بعيده عن الهوتيل... كان الوقت قد تجاوز منتصف الليل, وقد وجدنا مسيرة تجوب تلك المنطقة رافعة شعارا ثوريا جديدا لم نسمع به من قبل يقول الشعار العجيب:
إطـْلـَعْ يا خفاش الليـــــــل جَـاكْ السابع من أبريل
لـَنْ أنسي تلك الليلة ما حييت, كانت تقود تلك المسيرة إثنتان لا تمتان الى الجنس اللطيف بِصِلَة وهنّ "السيئة" هدى بن عامر التى تبوأت هذه الايام منصب رئيسة (البرمان العربي) فى القاهرة, مكافأة لها على جَرّ جثث الشهداء على منصات الإعدام, والقائدة الثانية لمسيرة الدهماء هذه, تقودها البائسة نجيّة انديشه, وهى من الرعيل الاول من الراهبات الثوريات فى مدينة درنه, والتى لم نعد نسمع عنها شيئا, غير أننى جـُلّ ما اخشاه أن اسمع عنها ذات يوم رئيسة للبرلمان الأوربى, خاصة بعد أن عرفنا الديمقراطية الغربية كيف تتلون حسب مصالحها النفطية, وليس عندى ما اقول قبل وصول الآنسة نجية انديشه لرئاسة البرلمان الاوربي سوى بيت شعر شعبى يقول:
إيْـجيـِكْ أمـْر تَوْحل فـِيْـه إتْقُوْل فِيْه يادَافع البلا
أوصلنى حمدى إلى الهوتيل, ولم يدخل معى, وصعدت الى الغرفة 211 فوجدت في غرفة خليفة, كل من الاصدقاء القزيرى, وعبدالرحمن, ونجيب, وعبدالرحيم, وكانوا جميعا يستعدون لمغادرة الهوتيل الى بيوتهم بإستثناء القزيرى الذى يقيم فى نفس الهوتيل, وقبل مغادرة الاصدقاء الثلاثة قال خليفة مخاطبني: "ليْتكْ اوصيت الحاجة على كـُتُبـِنا حتى لا تـَحـْمـي بها التنور". يقصد بكلمة تَحْمي توقد بها "تنور الخبز" الموجود ببيتنا الجديد فى منطقة "الرحبة" على الفور علق محمد القزيرى قائلا: "يا جنقي إذا أوقدت الحاجة ياسمين بكتبنا التنور فهذا افضل لكتبنا من أن تحرقها اللجان الشعبية بقيادة هدى, ونجيّة, وعلى الاقل سوف نأكل بحرقها خبزة تنور درناويه شهية بدلاً من أن نأكل بحرقها فلقه ثورية مجانية". ضحك الجميع وغادر أصدقائنا الثلاثة الهوتيل, وبقيت فى الغرفة مع خليفة, والقزيرى, بعدها غادر القزيرى غرفة خليفة, ونزل الى غرفته, ونمت حتى الصباح فى غرفة خليفة, لكننا وجدنا على الطاولة التى عادة يكتب عليها, وبالقرب من الآلة الطابعة التى كثيرا ماكان يطبع عليها خليفة فى تلك الايام مسودة كتابه الاول "موسم الحكايات" وجدنا قصاصة من الورق مكتوبة بخط القزيرى البديع يقول فيها, "أيها الليبيون لا داعي للتفكير, لديكم عقيدا يفكر بإسمكم جميعا, لبس رأسه بالمقلوب وطفق يفكر هنيئا لكم", فى الصباح طرق محمد القزيرى باب الغرفة 211 لأِحتساء قهوة الصباح معنا خاطبه خليفه ضاحكا بصوت عال "إيش كتبت يا إحميده على هذه الورقة" ردّ القزيرى قائلا: لم اكتب سوى على الرؤوس المقلوبة فقط ياجنقى, قال خليفه لقد تعبنا ليلة البارحه فى تهريب ونفي كتبنا التى اشتريناها من المكتبات ولم نكن نحن كاتبيها أو مؤلفيها, وأضاف ضاحكا: "كان الاجدر بنا حرق ما كتبته على هذه الورقة وأبقينا كتبنا فى غرفنا وبيوتنا", ردّ القزيرى بسخريته المعتادة: "الحاجة ياسمين والدة أمير اجدابيا, لم توقد التنور بعد, فما عليه إلا أن يحمل لها هذه الورقة ويأتينا بفردتين من خبزة التنور الطازجة".
"العاقل هو الذى يتريــــــــث
والعَالـِمْ هو الذى يشــــــــــك
بينما الجاهل هو الذى يؤكـد"
حكمة قديمــــه
اذا كان فى العمر بقية فللحديث عن الفاخرى, والقزيرى, وأصدقائهم بقية فى الحلقة القادمة بإذن الله. ودمتم أيها الأحبة بخير...
فتح الله ابزيو
================
بنغازى وعبث الكوازي (الحلقة الثالثة عشر) فتح الله ابزيو
|
|
|
غادرت شارع العقيب نحو شارع إدريّان بلت مارًا بشجرة الآرز اليتيمة الشاحبة التى تتوسطه، هذه الشجرة التى ضبط المرحوم (إمْجـُوْدَه) ذات يوم،وهويحاول قطعها بمنشار حاد، وعندما سِيـْقَ الى مركز البوليس، قال مُدَافِعاً عن نفسه. إنّ مدينتنا خالية من كل مظاهر الجمال، ولاتوجد بها حدائق، ولا ميادين، ولا تماثيل كالتى موجودة فى اثينا، وروما، وعاصمتنا طرابلس. فلماذا تبقى هذه الشجرة الوحيدة والمدينة تتصَحَر؟ هكذا رأى صديقنا (إمْجُـودَه) رحمه الله. حدث ذلك فى مطلع السبعينات، وللراحل (إمجودَه) حكاية طريفة اخرى، فبعد أن اصيبت بلادنا بإنفلونزا الوحدة العربية، وأصبحت من الأولويات المقدسة، فى رأس (قـِدِيسـَنـا) الذى قلنا عنه فى حلقة سابقة أنه وضعنا (فى شوال بوخط) وطاف بنا شرقا وغربا لـِيُوَحـِدنا لحاجة فى نفس (قِدِيسنا)، وَرَفَضَنَا الجميع، فى تلك الايام إزدحمت بلادنا بالالاف من جيراننا الذين وفدوا الى بلادنا،بدون جوازات سفر ولابطاقات تعريف، ولاتأشيرات، واصبحت شوارع مـُدُننا وخاصة الشرقية شبيهة بمدينة دمياط، أودمنهور، ومن كثرتهم اصبح ابناء البلاد أقليّة،فى هذه الفترة قرر، (إمجوده) أن يسافر الى مصر، بدون جواز سفر ولابطاقة، كما يفعل المصريون فى دخولهم لبلادنا،وعند وصوله للأراضى المصرية تم اعتقاله، لعدم وجود جواز سفر معه، وقررت السلطات المصرية إعادته للجمهورية العربية الليبية آنذاك، برفقة رجل أمن مصرى ليُسلمه للسلطات الليبية داخل الحدود، إستلمت السلطات الوطنية (امجوده) واعتقلته لسويعات قليلة، فى مبنى المباحث العامة بالقرب من مقر نادى الاهلى القديم كان المسئول عن هذا المركز سعد بن عمران، ولأنّ سعد بن عمران من ابناء المدينة فهو يعرف معظم سكانها، والمعروف عن سعد بن عمران أنّـه رجل بوليس محترف، أُدْخِل (إمجوده) لمكتب سعد بن عمران، وكان جالـِسًا فى الغرفة بجوار سعد بن عمران النقيب إمحمد المقريف عضو مجلس القيادة آنذاك، وما ان دخل (إمجوده) للمكتب حتى بادره سعد لماذا يا مجوده تسافر الى مصر بدون جواز سفر وتأشيرة؟ ردّ (إمجوده) قائلا يا أفندى سعد ممكن تطل من شباك مكتبك فوقف سعد وطـلّ من نافذته بالدورالثالث، وخاطبه سعد بن عمران قائلا ماذا تقصد يا امجوده؟ رد (إمجوده) قائلا يافندى إنّ كل هذه (الجلابيب والصمائد)، التى تمر من هذا الشارع قد دخلوا بلادنا بدون جوازات سفر أو اى اوراق رسمية، فالجميع ((سلكاويه)) نظر سعد بن عمران الى ضيفه إمحمد المقريف وضحكوا كثيرا، وقال لمجوده اذهب فليس لك عندنا اية مشكلة وقف إمجوده بطريقته التى يعرفه بها أبناء مدينته وقال، يعيش الافندى سعد (وَمَـنَبـُوشْ... وحدَه مع حد) رحم الله السيد سعد بن عمران الذى أدّى وظيفته كضابط امن لم يَشْتَكِ منه احد ولم يمارس ما مارسه غيره فى إذاء ابناء وطنه فى تلك الفترة التى قاسى فيها الكثير ويلات ومظالم شَتّى أقلها كانت الفلقة، ورحم الله إمجوده الذى مات فى احد اعراس المدينة مـِيتَة مأساوية. كان فى ذلك الوقت، يستطيع الإنسان الليبى الذى ترميه ظروفه السيئة فى ردهات أمن الدولة أن يُعَبّر عمّا فى داخله وبعفوية دون أن يفقد لسانه. خاصةعندما يكون المحقق يتمتع بِشِيَم الرجولة كالمرحوم سعد بن عمران الذى شهد له الجميع بذلك.
من النوادر التى تُروى عنه أنّه ذات ليلة عندما كان سعد بن عمران يقوم بواجب العزاء لأِحدى الأُسر فى المدينة. تصادف وفى نفس المكان وجود السيد (لِنبع بركات) الذى كان معروفا بـِظرْفِه وسرعة بديهته، وحيث أنّ مكان العزاء يقع بالقرب من معمل "البيبسى كولا" وهو مكان يُعَدْ بَعِيدا عن وسط المدينة، تلك الليلة،لم يكن (لِلنْبع بركات) من وسيلة لتوصيله الى بيته فى وسط المدينة،فطلب بصوت عالٍ من الحاضرين توصيله الى بيته عندما يحين وقت إنتهاء واجب العزاء،سمع سعد بن عمران إعلان صديقه الحميم (لِنبع بركات) فقال سعد لصديقه صبرا ستذهب برفقتى الى بيتك،هنا إنتفض (لِنْبع بركات) رافضا الفكرة بحدة، وخاطب سعد قائلا ((عَلَيّ الطلاق ياسعد ما إنْرَافْـقـَك لَوْ رَوّحت لِحـَوْشي على كَرَاع واحدة فأنا يا سعد لِسَانى ما إيْرَيحْـنى وأنت صراكـْتـَك ما إتـْريـْحَـك)) إشارة الى وظيفة سعد بأمن الدولة،إنقلب مجلس العزاء الى ضحك وتعليقات. هكذا كانت بلادنا أيام أتراحها وأفراحها. رحمهم الله جميعا، ورحم الله شقيق المرحوم "لـِنْبع" الأستاذ المناضل عبدالرحمن بركات إبن ليبيا وإبن جمعية عمر المختار المناضلة، الذى وافته المنيّة فى الايام الاخيرة من هذا الشهر،فلأسرة بركات وذويهم وَآل بن عامر بيت الأستاذ مصطفى واحمد، وحمدى، وعمر الصبر والسلوان.
نرجع بحضراتكم الى ميدان هذه الشجرة التى نجت بأعجوبة من منشار (امجوده) الحاد، عـُرِف هذا الميدان بإسم (بياصاكانى)،وعمر طوسون، ثم إستقر فى ذاكرة الناس بإسم ميدان الشجرة الى يومنا هذا، وفى طريق عودتى من شارع ادريّان بـِلت سـَأُعَـرِجْ على شارع بسيكرى وفيا تورينو،وبعض الأزقة الكائنة فى تلك المنطقة مرةً أخرى.
شارع إدريان بلت، سُمـِي بهذا الاسم تكريما وعرفانا للسيد إدريَان بيلت احد مخضرمى الدبلوماسية الهولندية، فهذا الدبلوماسى صاحب الضمير الإنسانى الحىّ لَعِـبَ دَوْرًا هامـًا فى نيْل بِلادنا إستقْلالها. بعد أن كُسِرت شَوْكَة قوات المحور، وهُزمت النّازية شَرّ هزيمة فى الحرب الكونية الثانية، فقد رَاهن السيد ادريس بِحِنـْكته السياسية التى حباه الله إيّاها، بـِرِهـَانِـه على قوات الحلفاء، فقد أثبتت الايام والسنون أنّ قراره كان صائبا مما نزع بلادنا من بين فَكـَي تنين الفاشية المتوحش.
بعد هزيمة إيطاليا فى بلادنا،بدأت تُطبَخ فى دهاليز الدول الإمبريالية المنتصرة، وكذلك روسيا الشيوعية ،لعبة جديدة لتقسيم أقاليم ليبيا الثلاثة طرابلس، وبرقة، وفزان،وإعادة توزيع هذه الأقاليم الثلاثة من جديد لِتُسْتَعمر بطريقة خبيثة، ما بين الدول التى ورثت تركة الإستعمار الفاشى، بحجة أنّ الشعب الليبيى غير مـُهـَيأ للإستقلال، وكادت أن تحتل بلادنا مرة اخرى، ولكن هذه المرة بدل أن تكون بلادنا مستعمرة من قبل دولة واحدة، ينْتَقِل إسْتِعمارها الى ثلاث دول إستعمارية عظمى.
هنـا ظهرت قدرة القيادة الفذة للسيد ادريس وَبـُعـْدَ نظره الثاقب، وتكاتف معه معظم رجال ليبيا المتطلعين بشوق وعزيمة لحرية وإستقلال بلادهم، التى كانت من افقر دول العالم آنذاك.
كان حُبهم لوطنهم، وإستقلال كامل ترابه هو الدافع والمحرك الرئيسى لإولئك الرجال العِظام، ولم يكن فى تلك الايام نفط ولا مال، ولا شركة (داو) التى انجزت فيما بعد النهر الصناعى، ورشاويها التى فاقت تدفق كميات المياه التى أسْتحْلـِبت من مواسيره الضخمة، ودخلت جيوب السماسرة، واللصوص أدعياء الثورية الإنتهازيين.
إنّ السيد ادريس، ورجاله الاوفياء كان ولائهم لليبيا، حرةً أبيّةً،فالسيد ادريس، وكذلك السيد إدريان بلت جديران بالتكريم والإحترام لما بذلاه من مساعٍ حثيثة، من أجل إستقلال مجيد إستمتع به الشعب الليبى مدة لم تدم سوى قرابة ثمانية عشر ربيعا زاهرا.
كانت ليبيا أول دولة فى القارة الإفريقية تنال إستقلالها بقرار من الأمم المتحدة، بفضل تضحيات ومعاناة شعبها العظيم، وأيضا بمساعدة الشرفاء من امثال السيد إدريان بلت الذى لم يألـُو جهدا لمساعدة هذا الشعب لنيل إستقلاله، فقد كُلـِف من قبل الأمم المتحدة فى نهاية الاربعينات وبداية الخمسينات، بتقصّي الحقائق والبحث فى الشأن الليبى، أدى السيد إدريّان بلت مهمته بشرف ونزاهة، وأمانة، طالما حلم بها هذا الشعب الأبـي... بعد الإستقلال مباشرة أطـْلـِق إسْم السيد إدريّان بلت على احد شوارع المدينة تكريما له وَرَدًّا لجميله، وجهده.
لم يحتفظ هذا الشارع بإسمه، فبعد حوالى سبعة عشر عاما من الإستقلال، وقيام الثورة تغير إسم إدريان بلت بإسم رجل آخر لم تكن له علاقة بإستقلال ليبيا، ولاإستقلال بلاده، سُمـِيَ هذا الشارع بإسم عبدالمنعم رياض، وهواحد قادة الجيش المصرى فى حرب الايام الستة عام67 م وكان على الجبهة الأردنية فى تلك الايام، ثم شارك فى معارك ما عـُرفَ فيما بعد بحرب الإستنزاف، بعد هزيمة مصر، وسوريا، والاردن، وقد قتل اللواء عبدالمنعم رياض على احدى جبهات القتال المصرية، رحمه الله، وقيل وقتها إنّ عملية قصف موقعه قد تمت عن طريق المخابرات الاسرائيلية،كل ذلك لايهم فهذا هو ناموس الحروب، ولا يضايقنا أن يـُطـلـَق إسمه على شارع، أومعسكر، أو مثابة ثورية، لكن استبدال إسم إدريان بيلت بإسم المرحوم رياض يثير الكثير من الشكوك أقلها إزالة وَمَحْو معنى الإستقلال المجيد من الذاكرة الجماعية، لإنّ السيد ادريّان بلت إرتبط إسمه بالإستقلال الذى شُطِب بِجَرة قلم وأصبح ذكر كلمة الإستقلال جريمة يلاحقها القانون الثورى.
إنّ المعلومات والحقائق غير الواضحة قبل، وأثناء، وبعد، الهزيمة،تـَصِـلـنا مباشرة، عبر مصدرين فقط لاثالث لهما، فالمصدر الأول إذاعة صوت العرب التابعة لقسم التعبئة الخاضع بالكامل للإستخبارات المصرية آنذاك، وكانت تـُذاع المعلومات المضللة عبر حنجرة أحمد سعيد الذى أثبتت الأيام أنّه عبارة عن ظاهرة صوتية عالية لا أكثر ولا أقل. أما المصدر الثانى والاهم فى تلك المرحلة التى يستسقي منه العرب إنتصاراتهم الوهمية و(الشعارات التى ما قتلت يوما ذبابة إسرائيلية) فكان هو الاستاذ محمد حسنين هيكل على صحيفة الأهرام المحنطة بطريقة من بنى اهرامات الجيزة وموميات المقابر الفرعونية، فالاستاذ هيكل كان (الكاتب العمومى الوحيد) لذلك العهد وبالاحرى فقد كان (مـُحَرِرًا للعقود المزورة) ولا أرانى متطاولا عليه إن نعته بشاهد الزور.
صباح كل يوم جمعة يطل علينا الاستاذ هيكل على صفحات الأهرام الهرمة (بصراحته) التى فاقت وقاحة وكالة الانباء الليبية،ثم تتلى على مسامعنا (صراحة) الأستاذ هيكل عبر صوت العرب بصوت احمد سعيد الجهورى، بعد نشرة اخبار الظهيرة من كل يوم جمعة، كانت تلك (الصراحة) مقررة وإلزامية من قبل وسائل الإعلام المصرية آنذاك، وكنا نحن الليبيين ثاني ضحاياها بعد الشعب المصرى ومازلنا وإيّاهم ندفع ثمنها باهـِضًا الى يومنا هذا، أمّا الاستاذ هيكل فقد كان يقبض ثمن (صراحته) فى تلك الايام بالدولار الإمبريالى، ويبدو أنّه اليوم يقبض من وسائل الإعلام الشهيرة باليورو، فى هذا العالم الذى يبدو عليه انه يريدنا ان نبقى مع تجربة حياة هيكل الى يوم قيام الساعة.
بعد رحيل الرئيس عبدالناصر أوقفت الحكومة المصرية الجديدة فى مصر (صراحة) هيكل وأزيح من رئاسة الاهرام وحل مـَحلـه الاستاذ على أمين يومها قال شاعر العامية المصرية الساخر احمد فؤاد نجم:
شـَالـُوا هـَيـْكَــل جـَابـُوا عَـلـْوَه
كـُلـُـهُـم فى الهَــــمّ بـَــــــــلْـوَه
يبدو أنّ جيلنا قد كُتِبَ عليه الهزيمة وسوء الطالع معاً، فمجددا يطل علينا الاستاذ هيكل بعد غيبة طويلة، قاربت النصف قرن، وهذه المرة يطل بالصوت والصورة، وليس عن طريق إذاعة صوت العرب بل عن طريق اشهر محطة تلفزيونية فى العالم العربى وأسبوعيا كعادته القديمة أيام صحيفة الاهرام، ولكن هذه المرة بعناوين جديدة فاقت (صراحته) القديمة،وتحولت الى "تخاريف" فى خريف عمره وبإسم "تجربة حياة" مع هيكل،وخلال ساعة تلفزيونية كاملة يتحدث الاستاذ هيكل كما يحلو له، لا أحد يقاطعه، ولا أحد يطلب منه التوضيح، أو يخالفه فيما يقول، وكأنه مازال متربعا على صحيفة الاهرام التى كانت اكبر وسيلة اعلام كذبت وخدعت الامة فى تلك الايام بقيادة هذا الهيكل.
كـَأنّ هذه الأمـة الكبيرة مفلسة،ولايوجد بها من يؤرخ وَيـُدوّن تاريخها المعاصر، إلا هذا (الهيكل) الذى بلغ من العمر عتيـّـًا، وأنا لست محتجا عليه، وعلى من منحه هذه الفسحة الزمنية فى اشهر واكبر محطة إعلامية عربية، فمن حقّ تلك المحطة أن تمنحه كل ساعات بثها على مدار الاربع والعشرين ساعة، ولكن عندما يتجاوز السيد هيكل هيكله، ويزور تاريخ بلادنا، ويصر على (خراريفه) التى كان (يـُخَـرِف) بها فى القرن الماضى، باثـًا سمومه وزيفه أيام عصر أهرامه البالية، ظنا منه أنه مازال يحميه صولجان ثورة يوليو، فهذا هو الخطأ ذاته الذى ضيعنا جميعا.
احدى حلقاته الاخيرة، وتحديدا يوم 18 يونية 2009 م لازال يـُسـوّق إفتراءاته، وَمـُـصِرًا على أن قاعدة ويلز الامريكية فى طرابلس، هى التى إنْطلـَقت منها الطائرات لمهاجمة مصر فى عدوان67 م معتمدا على خطاب لعبدالناصر جاء فيه (كـُنـّا نتوقع الهجوم من الشرق فجاءنا من الغرب) كان ذلك الخطاب فى الاسابيع الاولى من فجيعة الهزيمة التى افقدت القيادة المصريّة صوابها من هول مصيبتها آنذاك.
قبل مؤتمر الخرطوم الشهير بثلاثة أسابيع تحدث الراحل عبدالناصر عن مواقف ليبيا ومليكها وأثنى على المملكة الليبية، وعلى قيادتها الحكيمة، ونفى نفيا قاطعا أن ليبيا إنطلقت منها الطائرات الإسرائيلية التى أغارت على مصر، وللقارىء الكريم، ولمن له علاقة بالاستاذ محمد حسنين هيكل أن يُسمِعْه ما قاله الراحل عبدالناصر بعظمة لسانه (إستمع) لتبرئة ليبيا وقيادتها العظيمة، وبعد الإستماع لكلام الرئيس عبدالناصر عليك ايها القارى الكريم ايُ الروايتين تعتمد وتصدق؟ فالأمر متروكا لك.
قبل أن انتقل بمعيتكم المؤنسة أذكركم بليلة قدوم الاستاذ محمد حسنين هيكل، والتى لم يذكرها قط طيلة الاربع العقود الماضية لا فى (صراحته) ولا فى تجربة حياته المليئة بالتناقضات والبطولات، ولا أخال هنا أنها سقطت سهوا بل تعمد إسقاطها، فالرواية التى يعرفها ابناء ليبيا وخاصة ابناء بنغازى التى هبط فى مطارها فى الليلة الرابعة لإستلاء العسكر على الحكم، وكان فى مقدمة مستقبليه النقيب مصطفى الخروبى وبعض الضباط الاحرار، وكان من بينهم النقيب ابريك الطشانى، وما كادوا يصافحونه حتى بادرهم بالسؤال عن العقيد عبدالعزيز الشلحي معتقدا أن الشلحي هو صاحب الإنقلاب، قائلا بلهجة مصرية "فين الباشا العقيد عبدالعزيز الشلحي" ردّ عليه رئيس وفد المستقبلين، إنّـه ليس إنقلاب عبدالعزيز الشلحى، على الفور إستدرك الاستاذ هيكل "بـِزَقَاطة" و(فهلوة) اخواننا المصريين قائلا اعرف ذلك ولكن فى أي سجن وضعتموه؟. وبفضل بهلوانية الأستاذ هيكل، وتزييفه للكلمات والحقائق، فقد هـَوّن وخَـفـَفَ كلمة الهزيمة التى لحقت ببلاده، والعرب كافة الى مجرد كلمة (نكسه)، وشتان بين المَدْلوليّن.
قــُلْ ما تشاء
واكتب بِخط التاج ما نحت الشقاء
فـِيـْنـا وَقُل متخاذلون
جُبـَنَـا
ماتت فى عروق قلوبهم هِـمَـمُ
الرّجال
قـُلْ ما تشاء
(لكـِنَنا أبدا لن نمـوت
لـِتَرْكَبَ جـُثَـتي لـِعَار جديد)*
إذا كان فى العمر بقية فللحديث بقية ودمتم بخير أيها الأحبة...
=================